جريدة الإتحاد - 1/27/2026 10:56:39 PM - GMT (+4 )
لم يكن من المستغرب أن يدفع قادة الحقوق المدنية الرئيس دونالد ترامب لإصدار بيان يعترف فيه بالاحتفال بذكرى مارتن لوثر كينج لعام 2026. ولم يكن من المستغرب أيضاً أن يُصدر البيان على مضض مع اقتراب نهاية اليوم، وأن يُغفل ذكر الدكتور كينج، وأن يُنشر فقط على موقع البيت الأبيض الإلكتروني، دون الترويج المعتاد له على وسائل التواصل الاجتماعي. يعود ذلك إلى سعي ترامب والحركة التي يقودها إلى تبييض التاريخ الأميركي من خلال إصدار أوامر تنفيذية تُوجّه المدارس والبرامج الفيدرالية إلى حذف أي ذكر للجوانب المؤلمة من تاريخنا، والتركيز بدلاً من ذلك على المعارك المجيدة التي انتصر فيها الأميركيون، والقادة الأبطال الذين خاضوها، والقيم التي مثّلوها.
أختلف مع هذا النهج الذي يُشبه دفن رؤوسنا في الرمال، متجاهلين الجوانب المؤلمة لماضينا وحاضرنا. قبل سنوات، شرفتُ بالعمل كعضو مُعيّن في لجنة يوم مارتن لوثر كينج في واشنطن العاصمة. وكانت مهمتي ضمان أن يُذكّر هذا اليومُ الأجيالَ القادمةَ بالنضالات التي قادها الدكتور كينج وكثيرون غيره ضد الظلم الذي طبع تاريخنا كأمة.
لقد ضمنتْ تلك الحركة حقوقَ التصويت للأميركيين الأفارقة الذين حُرموا منها، والذين ظلوا -بعد مرور مئة عام على الإلغاء الرسمي للعبودية في الولايات المتحدة- ضحايا لتمييز شديد. كما أدّت حركة الحقوق المدنية نفسها إلى إلغاء الفصل العنصري، ذلك النظام القانوني والعملي الذي قسّم أميركا إلى عالمين منفصلين: أحدهما للسود والآخر للبيض.
لا يدرك جيل كامل من الأميركيين أنه قبل ستين عاماً فقط، في أجزاء كثيرة من بلادنا، لم يكن بإمكان الأميركيين من أصل أفريقي شراء العقارات، أو ممارسة الأعمال التجارية، أو السكن، أو الالتحاق بالمدارس، وما إلى ذلك، في أحياء مخصّصة للبيض فقط. كان النضال، بقيادة الدكتور مارتن لوثر كينج، من أجل كسر حواجز الفصل العنصري في السكن والعمل والتعليم والمرافق العامة، نضالا شاقاً.
وعلى الرغم من كونه نضالا سلمياً، فقد قوبل بالعنف. إذ اعتُقل آلاف المتظاهرين أو تعرّضوا للضرب، وفقد كثيرون حياتَهم. وفي النهاية، انتصرت هذه الحركة وغيّرت وجه أميركا إلى الأبد. ومع ذلك، لم يكتمل العمل. فمع انتهاء الفصل القانوني، ظلّ إرث الانقسام العرقي يطارد أميركا.
فعلى سبيل المثال، حتى عام 1964، كانت صكوك الملكية في حيّنا بشمال غرب واشنطن تتضمن «شرطاً تعاقدياً» يحظر بيع العقار للأميركيين الأفارقة. وقد أُمرَت العائلات السوداء التي كانت تعيش في هذا القسم «المخصّص للبيض فقط» بالإخلاء، وصودرت ممتلكاتُها وهُدمت لإفساح المجال لبناء مدارس مخصّصة للبيض فقط. وحتى بعد إبطال تلك الشروط وإلغائها بتشريع صدر استجابةً لحركة الحقوق المدنية التي قادها كينج، ظلّت واشنطن العاصمة مدينة شديدة الانقسام. وكانت تصاحب ذلك الانقسام المادي فروقٌ كبيرة في الدخل والبنية التحتية والخدمات والفرص، وهي فروق ما زالت تُثقل كاهلَ هذه المدينة حتى اليوم.
ولم تكن هذه قصة واشنطن وحدها، فقد تكررت في أنحاء الولايات المتحدة، وكانت أشدّ قسوة في الجنوب العميق، حيث عاش الأميركيون الأفارقة في ظل نظام فصل عنصري مفروض يشبه نظام الفصل العنصري. كانت هناك مطاعم لا يُسمح للسود بالأكل فيها، وفنادق لا يُسمح لهم بالإقامة فيها. وكانت دورات المياه ونوافير الشرب مخصّصة إما للبيض فقط أو للملوّنين. وحتى وسائل النقل العام كانت مفصولة بين مقاعد مخصصة للبيض وأخرى للملونين.
كان هذا هو النظام، في الشمال والجنوب على حد سواء، الذي واجه تحدياً وهُزم جزئياً على يد الحركة التي ساهم الدكتور مارتن لوثر كينغ في قيادتها. وفي يوم مارتن لوثر كينج، لا ينبغي لنا فقط أن نُكرّم الجهودَ البطولية لمن بنوا هذه الحركة، بل يجب أيضاً أن نتذكّر الواقع الذي كانوا يسعون إلى تفكيكه وتغييره، والأثر الدائم الذي لا يزال هذا النظام يخلّفه اليوم.
يكمن الخطر، بالطبع، في أن هذا التاريخ إما غير معروف أو تم تجاهل أهميته أو نسيانها. فأقل من ربع الأميركيين اليوم كانوا على قيد الحياة خلال فترة الفصل العنصري. ومنذ اليوم الذي وقّع فيه الرئيس رونالد ريجان القانونَ الذي أنشأ يوم مارتن لوثر كينج، تحوّل كينج من مناضل بطولي من أجل الحقوق المدنية والحريات وحقوق المهاجرين، وضد الحرب والعسكرة والظلم الاقتصادي، إلى شخصية غامضة لا يمكن التعرف عليها. وقد ساهم الرئيس بيل كلينتون في إفراغ اليوم من معناه حين أعلن أنه يوم للخدمة العامة، أي تنظيف الملاعب وتقديم الخدمات العامة، وتوفير وجبات الطعام للفقراء، وما إلى ذلك. وكما تنبأ القس «جيسي جاكسون»: «قد ننتصر ونحصل على هذه العطلة ونعيش لنرى اليوم الذي لا يكون فيه الدكتور كينج الذي يكرمه السياسيون هو مارتن لوثر كينج الذي عرفناه».إنّ السبيل الأمثل لتكريم يوم مارتن لوثر كينج هو أن نتذكر العالم الذي أتى إليه، والظلم الذي ناضل ضده، والدروس التي علّمها، وأن نطبق هذه الدروس على التحديات التي نواجهها اليوم: الدفاع عن المهاجرين، والدفاع عن حقوق التصويت، والتصدي للعنف العشوائي الذي تمارسه أجهزة إنفاذ القانون المحلية والفيدرالية. بعبارة أخرى، أن نفعل ما كان سيفعله الدكتور كينج.
*رئيس المعهد العربي الأميركي
إقرأ المزيد


