علاقات الإمارات والكويت.. مشروع للنهضة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ليست العلاقة الإماراتية – الكويتية تفصيلاً في دفتر العلاقات الخليجية، ولا مجرّد انسجام سياسي عابر، بل تجربة تُعيد تعريف معنى الجوار في عالمٍ تتكاثر فيه التحالفات وتتناقص فيه الثقة. إنّها علاقة  تستند إلى وعيٍ متراكم بأن القرب الجغرافي يمكن أن يتحوّل إلى شراكة في بناء المستقبل.

العلاقات الإماراتية الكويتية ليست تعاوناً طارئاً، بل امتدادٌ طبيعي لمسار طويل من التلاقي الإنساني والثقافي والمؤسسي.

ما يلفت النظر ليس كثافة اللقاءات الرسمية، بل انتظامها؛ ليس حجم الاتفاقيات، بل استمراريتها؛ وليس حجم المبادلات فحسب، بل اتساع أفقها. العلاقة بين الإمارات والكويت تُدار بعقلٍ استراتيجي يعرف أن الاستقرار لا يُحفظ بالشعارات، بل ببناء مصالح متشابكة تجعل الانسجام خياراً عقلانياً قبل أن يكون تعبيراً وجدانياً. غير أن التفوق الحقيقي لا يكمن في الاقتصاد وحده، مهما بلغت أرقامه، بل في فلسفة التعاون ذاتها. هناك فرقٌ بين علاقةٍ تُبنى على مبدأ «توازن المكاسب»، وأخرى تُبنى على مبدأ «تشارك المسار». في العلاقات الإماراتية–الكويتية، نلحظ حضور الرؤية الثانية: كل دولة تسير في مشروعها الوطني بثقة، لكنها تدرك أن ازدهارها يتعزز حين تتلاقى الرؤى، لا حين تتقاطع المصالح فقط. هذا الإدراك هو ما يحوِّل العلاقة من مستوى التنسيق إلى مستوى التآزر.

وتتجلّى هذه الروح في قدرة الطرفين على تفعيل منطق المشاورة والتقدير المتبادل. هذا السلوك السياسي لا يُنتج استقراراً فحسب، بل يُرسّخ ثقافة عامة مفادها أن الاعتدال ليس موقفاً تكتيكياً، بل خياراً حضارياً دائماً. التحولات العالمية الراهنة – في الطاقة، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والحوكمة الرقمية – تضع أمام الدول تحديات مركّبة.

واللافت أن العلاقة الإماراتية–الكويتية تبدو أكثر استعداداً لمواجهة هذه التحديات عبر مقاربة تقوم على التكامل لا التكرار. فحين تتلاقى الخبرات، وتتوزع الأدوار، وتتقاطع الاستثمارات في مجالات المستقبل، تتشكل بنية تعاون قادرة على الصمود أمام التقلبات الدولية.

ولعلّ البعد الأكثر عمقاً في هذه العلاقة هو بعدها الإنساني. فالعلاقات بين الإمارات والكويت تتجاوز حدود المكاتب الرسمية إلى فضاء المجتمع، لتكتسب طابعاً مختلفاً؛ تصبح جزءاً من الذاكرة اليومية، من حركة الناس، من التداخل الثقافي، من حضور الأفراد في اقتصاد بعضهم البعض. وحين يحدث ذلك، تتحول العلاقة إلى خبرة معاشة، لا إلى عنوانٍ في بيانٍ سياسي.

إنّ الحديث عن هذه العلاقة ليس احتفاءً شكلياً، بل قراءة في نموذجٍ يقدّم صيغة متقدمة لإدارة السيادة في سياق إقليمي. سيادة لا تعني الانكفاء، وتكامل لا يعني الذوبان، واستقلال لا يتناقض مع الشراكة. هذا الاتزان هو ما يمنح التجربة قيمتها النوعية. المستقبل الخليجي ينبغي أن يُصاغ عبر شراكاتٍ واعية تدرك أن العالم يتغير بسرعة، وأن الدول التي تُحسن بناء جسور الثقة هي الأقدر على حماية مصالحها وتعظيم فرصها.

وفي هذا السياق، تبدو العلاقة الإماراتية–الكويتية أقرب إلى مشروع نهضوي مشترك، يتقدم بثبات، ويؤسس لمرحلةٍ تتجاوز إدارة الحاضر إلى صناعة الغد. هكذا يصير الجوار في إقليم واحد أكثر من حدودٍ مشتركة؛ بل يصير أفقاً مشتركاً. وحين يتحول الأفق إلى رؤية، والرؤية إلى عمل، تتشكّل ملامح نموذجٍ خليجيٍّ قادر على الجمع بين الحكمة والطموح، وبين الاعتدال والإنجاز.

*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة.
 



إقرأ المزيد