جريدة الإتحاد - 1/30/2026 11:36:59 PM - GMT (+4 )
شكَّلَ تأسيس اللجنة الوطنية لسردية الاتحاد خطوة محورية في مسيرة دولة الإمارات العربية المتحدة نحو ترسيخ ذاكرة وطنية منسقة ومتكاملة. وقد جاء الاجتماع الأول للجنة الذي عقد الأسبوع الماضي، ليُمثل انطلاقة لتفعيل آليات اللجنة في صياغة سردية وطنية شاملة تجمع بين التاريخ والهوية والوعي المجتمعي.
وقد استعرضت اللجنة في اجتماعها الأول آلية تنفيذ مهامها التي تتمحور حول إعداد واعتماد الوثيقة الرسمية لسردية الاتحاد، التي تتضمن التسلسل الدقيق للأحداث التاريخية المتعلقة بقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، باستخدام المصطلحات والمرادفات المعتمدة، وتوحيد السردية الوطنية وضمان اتساق جميع أشكال المحتوى الوطني والإعلامي والتعليمي والثقافي مع المعلومات الدقيقة المعتمدة في الوثيقة الرسمية، واعتماد الحملات الوطنية المتعلقة بالاتحاد والرموز الوطنية قبل إطلاقها، والتأكد من اتساقها مع سردية الاتحاد بالتنسيق مع الجهات المعنية.
وفي الواقع، فإن قرار تشكيل اللجنة قد عكس وعياً بالحاجة الضرورية لتوحيد السردية الوطنية المرتبطة بقيام الاتحاد، بما يكفل ضبط مسرودات التأسيس بلغة مُحكمة، ومصطلحات معتمدة، وسياق منضبط، يحول دون التباين أو الاجتهادات غير الموثقة التي قد تُفضي مع مرور الزمن إلى تشوّش في الفهم أو تآكل في المعنى.
وتكتسب مهام اللجنة دلالة خاصة، على النحو الذي يظهر في كونها تتجاوز حدود إعداد الوثيقة الرسمية لسردية الاتحاد، لتشمل اعتماد المحتوى الوطني المرتبط بها، إلى جانب ذلك، يُلاحظ أيضاً أن الطبيعة التنسيقية لعمل اللجنة تعكس حرصاً على تحقيق الاتساق دون فرض مركزية مفرطة، بما يتيح تنوع أشكال التعبير ضمن إطار وحدة المعنى والدلالة.
ومن اللافت للنظر في مُقاربة اللجنة أنها لا تنطلق من مبدأ إعادة كتابة التاريخ، وإنما من قناعة راسخة بضرورة تثبيته في صيغته المعتمدة، استناداً إلى مصادر موثوقة وبحث تاريخي رصين، وهو تمييز جوهري يجسد إدراكاً متنامياً بأن السردية الوطنية تكتسب قوة مُضاعفة حين تُوثّق وتُصاغ ضمن إطار معرفي مُوحّد، لتغدو منظومة متكاملة تنعكس على مفردات الإعلام، ومناهج التعليم، والمحتوى الثقافي، ومضامين الحملات الوطنية، وكل ما يتصل بقصص الاتحاد المتوارثة عبر الأجيال.
وتزداد أهمية تأسيس اللجنة الوطنية لسردية الاتحاد في ظل تشكُّل بيئة إعلامية عالمية تتّسم بدرجة عالية من انتشار السرديات المتباينة حول تاريخ الدول ومساراتها، ما استدعى وجود مرجعية وطنية معتمدة لسردية الاتحاد، توفّر لدولة الإمارات أداة دفاع معرفية تسهم في تحصين الذاكرة الوطنية من التشويه أو التسييس، والحد من تأثير المعلومات الخاطئة أو القراءات المغلوطة التي قد تتسلّل عبر منصات مختلفة.
ولا شك أن تنوُّع الجهات الممثلة في عضوية اللجنة، بين مؤسسات أرشيفية وتعليمية وإعلامية وثقافية وحكومية، يؤكد بصورة قاطعة أن السردية الوطنية مسؤولية جماعية، لا تحتكرها جهة بعينها، بل تتشكّل عبر تكامل الأدوار وتداخل الاختصاصات، بما يُعزز فُرص إنتاج سردية أكثر توازناً وشمولاً، قادرة على استيعاب الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية لقيام الاتحاد، دون اختزال أو انتقائية.
وعلى المدى الأبعد، يمكن النظر إلى إطلاق سردية الاتحاد ضمن هذا الإطار المتكامل بوصفه استثماراً في الوعي الجمعي للأجيال المقبلة. ذلك لأن الدول التي تمتلك سردية مُوحدة ومتماسكة عن لحظة تأسيسها تكون أكثر قدرة على صون هويتها، وأكثر استعداداً للتعامل بثقة مع تحديات الحفاظ على تراثها الثقافي والتاريخي.
إن أهمية انطلاق عمل اللجنة الوطنية لسردية الاتحاد من خلال اجتماعها الأول لا تقتصر على ترتيب أحداث الماضي، بل تمتدّ لتؤسس لعلاقة أكثر نضجاً بين المجتمع وتاريخه، تستند إلى معرفة دقيقة، واتساق سردي، بما يتيح تقديم الذات الوطنية للعالم على أُسس ثابتة ومتسقة. ومن ثم، لا يمكن اعتبار هذا الانطلاق مجرد حدث عابر، بل يشكّل مرتكزاً تأسيسياً لمسار استراتيجي يُعنى بصون الذاكرة الوطنية، وبناء وعي تاريخي راسخ.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


