الخصخصة في سوريا وتفعيل الرأسمالية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

شهدت سوريا في عامها الأول بعد سقوط النظام السابق وبدء العهد الجديد، تدفقاً كبيراً للاستثمارات السورية والعربية والأجنبية، بما بلغ مجموعه نحو 56 مليار دولار، وفق الأرقام المسجلة لدى هيئة الاستثمار السورية. وشملت الاستثمارات الجديدة قطاعاتِ التطوير العقاري والطاقة والسياحة والزراعة والصناعة، مع توجه استثماري لتطوير الحقول النفطية بعد استعادتها، والتي يتوقع أن تؤمِّن دخلاً لا يقل عن 20 مليار دولار سنوياً. ومع بداية العام الحالي، يستعد السوريون لمواجهة تحديات مرحلتين استراتيجيتين، الأولي وقف التدهور الأمني واحتواء الأزمات المتراكمة، تمهيداً لتوفير الاستقرار السياسي.

أما المرحلة الثانية فتلي ذلك مباشرة ضمن مسيرة متدرجة لإعادة بناء البلاد على أسس جديدة. ويبرز في هذا المجال التحوّلُ الكبير نحو اقتصاد السوق، وتفعيل الاستثمارات في أجواء «نظام رأسمالي»، يعتمد مبادئ «الاقتصاد الحر»، تحت رقابة مؤسسات الدولة، في توفير الحماية، ومنع الاحتكار والاستغلال، بما تقتضيه مصلحة الشعب وتأمين حاجياته الاستهلاكية والحياتية. وفي هذا السياق، عُقدت ثلاث ورشات عمل منفصلة بإشراف وزارة المالية السورية، وعن بُعد، مع فرق فنية متخصّصة من البنك الدولي، تناولت قضايا تتعلق بالمالية العامة والقطاع المالي. وقد خصّصت الورشة الأولى لبحث إصلاح قطاع الشركات المملوكة للدولة، وخصّصت الثانية لإصلاح نظم التقاعد والمعاشات، بينما خصّصت الثالثة لبحث واقع التمويل العقاري.

واللافت أن النقاش في الورشة الأولى، تركَّز على مراجعة الإطار القانوني الناظم لعمل الشركات المملوكة للدولة، بما يتيح لها مرونةً أكبرَ واستقلاليةً ماليةً وإداريةً، مقابل تعزيز المساءلة وتطبيق ممارسات الحوكمة السليمة. وقد تم اقتراح مشروع قانون بتحويل جميع الشركات الحكومية إلى شركات مساهمة عامة، تمتلك الدولة في البداية كل أسهمها، بما يضمن تطبيق قواعد صارمة للحوكمة، وانتخاب مجالس إدارة مستقلة، وتشكيل لجان داخلية للمراجعة وتحديد المخاطر، وإلزامها بميزانيات وبيانات مالية مدققة وتقارير فصلية منشورة. وينسجم مشروع القانون الذي يعده وزير المالية، محمد يسر برنية، مع بعض التوجهات التي يروّج لها البنك الدولي، لاسيما تلك المرتبطة بالتحرير الاقتصادي، وتقليص دور الدولة في النشاط الإنتاجي، حيث يدعو البنك عادة إلى تخفيف العبء عن القطاع العام، وتشجيع «الخصخصة»، أي تحويل الشركات الحكومية إلى كيانات مستقلة أو شبه خاصة، بهدف تعزيز الكفاءة والشفافية، وجذب الاستثمارات وتحقيق النمو المستدام.

لكن في الوقت نفسه، يعترف البنك الدولي بعدم خلو هذه السياسات من بعض المخاطر، لجهة إمكانية تسببها في توسيع «فجوة» عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، في حال عدم الأخذ بالاعتبار ضرورة التوازن الدقيق بين دور الدولة والقطاع الخاص. ولا تعني الخصخصة التخلي عن المسؤولية العامة، بل إعادة توزيع الأدوار، فالدولة التي لا تدير مصنعاً أو شركة تبقى مسؤولةً عن حماية المستهلك، وضمان المنافسة، ومنع الاحتكار، والحفاظ على الأسعار العادلة، وجودة الخدمات.

ويلاحظ أنه في بعض الدول، أدى هذا التحوّل إلى تعزيز الدور الرقابي للدولة بدلاً من إضعافه، خصوصاً أن تدخل الدولة يظل ضرورياً في قطاعات معينة، لا سيما تلك المرتبطة بالأمن الاقتصادي والاجتماعي، مثل الطاقة والنقل والتعليم والصحة، حيث لا يحقق السوق وحدة التوازن المطلوب. وقد يؤدي غياب الدولة إلى إقصاء شرائح واسعة من المجتمع عن الخدمات الأساسية. وهذا مع العلم بأنه ينتظر من الدولة، حتى في ظل الأخذ بنظام السوق الحر، أن تكون قادرة على تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

*كاتب لبناني متخصص في الشؤون اللبنانية.
     



إقرأ المزيد