جريدة الإتحاد - 1/30/2026 11:47:13 PM - GMT (+4 )
نجح الاتحاد الأوروبي مؤخراً في حمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على التراجع لأول مرة منذ وصوله إلى البيت الأبيض، ذلك أنه في الوقت نفسه الذي كال فيه الانتقادات للقادة الأوروبيين، أعلن ترامب في دافوس أنه لن يلجأ إلى استخدام القوة للاستحواذ على جرينلاند، ولا إلى فرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية الثماني التي أرسلت بضعة جنود إلى الجزيرة الواقعة في شمال المحيط الأطلسي. والواقع أن التحدي الذي واجه السيادة الأوروبية كان كبيراً جداً لدرجة أن جميع الدول عبّرت عن احتجاجها، بما في ذلك دول البلطيق التي تميل عادة إلى تلافي إغضاب واشنطن، وكذلك المملكة المتحدة، التي تربطها «علاقة خاصة» بالولايات المتحدة. وكان ترامب عبّر منذ مستهل ولايته الرئاسية عن رغبته في الاستحواذ على جرينلاند.
حينها استخف الكثيرون بتصريحاته باعتبارها سخيفة ومثيرة للسخرية، لكنهم كانوا مخطئين لأنه كان جاداً، ذلك أن ترامب يخرق كل القواعد، وما كان يُعتبر في الماضي من قبيل الشطط يمكن أن يصبح اليوم هو القاعدة. ترامب يقول بمنتهى الصراحة ما ينوي فعله. وهكذا، دأب ترامب على ترديد فكرة مؤداها أن الولايات المتحدة بحاجة إلى جرينلاند وسيقوم بالحصول عليها إنْ عاجلا أم آجلا. وعلى الرغم من أن أغلبية سكان جرينلاند يعارضون ذلك، وكذلك الدنمارك والدول الأوروبية، إلا أن ترامب لم يتزحزح عن موقفه قيد أنملة.
فجرينلاند يجب أن تكون جزءاً من الولايات المتحدة، حسبما يقول. لماذا؟ لأنه «بحاجة» إليها، وهو ما يمثّل عودة إلى ممارسات كانت سائدة في عالم ما قبل القرن العشرين، تلك الحقبة التي كان باستطاعة أي دولة من الدول الاستيلاء على دولة أخرى، في تناقض تام مع القانون الدولي.الأوروبيون، الذين اعتادوا سوء المعاملة من ترامب دون أن يُبدوا أي رد فعل، عرفوا هذه المرة كيف يظهرون نوعاً من الحزم، خلافاً للمرات السابقة حين كان يسعى ترامب لفرض إرادته عليهم، فكانوا يرضخون له متذرعين بحاجتهم للولايات المتحدة من أجل أمنهم، لا سيما فيما يتعلق بأوكرانيا.
والحال أنه لم تعُد هناك حماية الآن، فقد قالها ترامب بكل وضوح: «إن المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو يمكن أن تفسّر بعدة طرق»، وهو ما يرقى إلى تأكيد على غياب التضامن التلقائي بين الحلفاء. وعلاوة على ذلك، زعم ترامب أن الاتحاد الأوروبي إنما هو عدوٌ أُنشئ من أجل «الاحتيال» على الولايات المتحدة، وهو ما جعل الدول الأوروبية تدرك أنه لم تعُد هناك ضمانة تلقائية أميركية، وخاصة تجاه موسكو حيث ينظر ترامب إلى بوتين باعتباره شريكاً. ولذلك، حان الوقت ليقول الأوروبيون «لا» ويحسبوا عواقب ذلك. دونالد ترامب يهدد سيادة الاتحاد الأوروبي ومصداقيته ولكن أيضاً مصداقية قادته أمام شعوبهم وأمام الرأي العام الخارجي.
والحال أن الرضوخ لضغوط دونالد ترامب لا يؤدي إلى تهدئته، وإنما يشجع أكثر على المزيد من التنازلات. وفي هذا السياق، قد يكافَأ الاتحاد الأوروبي على حزمه بشأن جرينلاند بقدر أكبر من الاحترام، ولاسيما أن الرهان المقبل داخل الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن قضيتي جرينلاند والرسوم الجمركية، هو رهان التشريعات الرقمية التي يسعى ترامب لتدميرها. ذلك أنه إذا قبل الاتحاد الأوروبي بتفكيك ما بناه فقط لأن الرئيس الأميركي طلب ذلك، فإن ذلك يعني أن الولايات المتحدة هي من تملي القوانين الأوروبية، وهذا أمر غير مقبول إطلاقاً. والواقع أن الرأي العام الأوروبي مستعد تمام الاستعداد لمقاومة ضغوط دونالد ترامب وتفضيل خيار الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، في حين أن الحكومات هي التي تتخلف عن الركب.
فدونالد ترامب لن يحترم الاتحاد الأوروبي إلا إذا فرض هذا الأخير ميزان قوى لصالحه عبر إظهار عدم رضوخه. والخطر هنا مزدوج، ذلك أنه إذا لم تتحرك الحكومات الأوروبية، التي تآكلت شرعية العديد منها أصلاً، فإن الرأي العام لن يملك إلا أن يخلص إلى أن من يعبرون عنه ويمثلونه عاجزون عن التصدي لإهانات ترامب وتدخلاته في شؤون بلدانهم السيادية. كما أنه إذا لم يرد الاتحاد الأوروبي على ترامب، فإن الاهتمام النسبي به سيتراجع حتما في بقية العالم حيث لن يُنظر إليه إلا ككيان ضعيف وغير موثوق وغير قادر على الدفاع عن مصالحه.
إننا حقاً أمام منعطف حاسم. فهل تجاوز دونالد ترامب الحدود المقبولة؟ الواقع أن مشروعه يهدف إلى فرض «سيادة محدودة» على حلفائه الأوروبيين، إذا جاز لنا استعارة عبارة الرئيس السوفييتي ليونيد بريجنيف تجاه دول حلف وارسو. فهل غالى ترامب في مشروعه الفج تجاه الاتحاد الأوروبي؟ الواقع أنه حان الأوان للرد، وترامب يتيح الفرصة للقيام بذلك. أما إذا أهدر الاتحاد الأوروبي هذه الفرصة أو لم يحرّك ساكنا أو رضخ، فإنه سيفقد كل مصداقيته أمام العالم أجمع وأمام شعوبه.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس.
إقرأ المزيد


