إسرائيل بين «مجلس السلام» والأمم المتحدة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 مع التحاق إسرائيل بمجلس السلام بناء علي دعوة الولايات المتحدة الأميركية، واستمرارها في خطة شيطنة الأمم المتحدة، واستهداف منظماتها وخروجها من بعض الوكالات الدولية، سيثار سؤال مهم حول مدى التجاوب الإسرائيلي مع الإدارة الأميركية في الأطر الجديدة ممثلاً في «مجلس السلام»، وهو ما سيظل مطروحاً في الدوائر الإسرائيلية، خاصة الأمنية والاستخباراتية، وليس الدبلوماسية فقط، ضمن تحليلات تربط التحاق إسرائيل بمجلس السلام بإيجابيات يمكن أن نحصل عليها، وبما يوسع من نطاقات تعاملها في المحيط الإقليمي والدولي، ويكسب شرعية جديدة لوجودها، ويعيد تقديم حضورها في العالم في ظل ما واجهته من تحديات وتهديدات، والمساس بالصورة الذهنية لإسرائيل بوصفها دولة متقدمة.


 ومن ثم، فإن مشاركة إسرائيل في «مجلس السلام» تحقق لها مزايا عديدة، خاصة في ظل العلاقات المفصلية مع الولايات المتحدة رغم كل التجاذبات الراهنة بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، وأغلبها تباينات في التكتيك، وليس في المسار الاستراتيجي، وهو ما تدركه الإدارة الأميركية جيداً.


وفي مقابل ذلك، فان بقاء إسرائيل في الأمم المتحدة مهم وضروري رغم المواقف التي تعاملت بها المنظمة مع إسرائيل، ومحاولة تطويق خياراتها، والتنديد بسلوكها السياسي، وبالممارسات البشعة في قطاع غزة، إضافة للتأكيد على التنديد بإجراءات وتدابير أقدمت عليها إسرائيل في الإقليم، ولهذا جاء الخروج الإسرائيلي من بعض المنظمات دليلاً على هذا التوجه غير المسبوق وتأسياً أيضاً بالموقف الأميركي المباشر في هذا الإطار الذي بدأ الخروج من بعض المنظمات المتخصصة وفقاً لرؤية الرئيس ترامب والذي جاهر بالعداء للأمم المتحدة، واعتبر نجاحاته الكبرى – وفقاً لتصوره – في إنهاء النزاعات يسبق الأمم المتحدة في أداء دورها الدولي في حفظ السلام والأمن في العالم، ما يؤكد الحاجة إلى أطر غير تقليدية، ومن ثم كان تحفظ بعض الدول الأوروبية على هذا المجلس واستمرار التحفظات وارد رغم احتمالات توسيع عضوية المجلس، يشير إلى ما يجري ويخطط له..
 تجد إسرائيل الدولة، وليس الحكومة، في خضم ما يطرح من مقاربة أميركية مباشرة يجب التعامل معها، وعدم التحفظ على ما يُخطط له أميركياً لاعتبارات متعلقة بالعلاقات بين البلدين، والتي تحددها - إضافة للرئيس الأميركي- مؤسسات ومراكز قوى قادرة على ضبط العلاقات المشتركة في مجالاتها المختلفة عند الضرورة بل والعمل على حل أي تباين في الرؤى عند نقطة محددة ما يؤكد أن إسرائيل ستدخل في مساحات محددة ومهمة تجمع بين مصالحها الكبرى مع الولايات المتحدة والتماهي ما يطرح أميركياً سواء من خلال «مجلس السلام»، أو خارجه إضافة لاستمرار توظيف الأمم المتحدة ومنظماتها التي ستبقي فيها، ولن تخرج في إطار التأكيد على السردية الإسرائيلية التي تتجاوز مسألة غزة والترتيبات الأمنية الجارية إلى أطر أخرى تتعلق باستعادة إسرائيل لدورها السياسي والدبلوماسي، إضافة لاستعادة مكانة إسرائيل إقليمياً بل ودولياً في ظل ما يجري من تطورات مفصلية ليس في الشرق الأوسط بل وفي العالم، ما يتطلب تحرك إسرائيل للتعامل مع كل المهددات الراهنة للسياسة الإسرائيلية.
 إسرائيل تدرك أن استمرار وجودها كدولة مقبولة يتطلب إعادة ترتيب الأولويات والمهام الكبرى في مواجهة ما يجري حولها انطلاقاً من سلوكها الراهن على مستوى دول الجوار الإسرائيلي، ومروراً بأي تحولات كبرى، يمكن أن تجري من خلال الولايات المتحدة، بل وشخص الرئيس ترامب ورؤيته لإدارة صراعات العالم، ومسعاه لتحقيق خروقات مهمة في أغلب ما يجري إقليمياً ودولياً.
ستظل إسرائيل تواجه خياراتها انطلاقاً من واقع حساباتها الكبرى والمهمة في المديين المتوسط والطويل، وهو ما سيتضح من إعادة ترتيب أوراقها ليس فقط بالتماهي مع الطرح الأميركي ممثلاً في انخراطها في «مجلس السلام»، وإنما أيضاً احتمال الاتجاه إلى ترميم علاقاتها بالأمم المتحدة، والحفاظ على شعرة معاوية، وعدم الذهاب إلى خيارات أخرى بالخروج من مزيد المنظمات الأممية، خاصة أن تكلفة ذلك ستكون كبيرة وخطيرة على شرعية إسرائيل دولياً لدولة تم إنشاؤها أصلاً بقرار دولي، وهو القرار الشهير 181 الصادر عام 1947.
 ويبدو أن إسرائيل ستظل ترى في الأمم المتحدة منبراً مهماً يمكن توظيفه في توقيتات معينة، ويستكمل ذلك في حرص إسرائيل على التواجد في «مجلس السلام» باعتباره نافذة أميركية مهمة بصرف النظر عن أية تحفظات بشأنه، خاصة وأن هناك إجماعاً إسرائيلياً لافتاً داخل إسرائيل يتفق في جوهره المستوى السياسي مع العسكري بأن مصلحة إسرائيل في الالتحاق بأي استحقاق أميركي في الفترة المقبلة، بصرف النظر عما يساق إعلامياً وسياسياً في إسرائيل من أن الأوضاع في غزة باتت شأناً أميركياً وكأن إسرائيل غير موجودة. 
وتعكس هذه الرؤية ضغوطات حقيقية على إسرائيل للتجاوب مع الطرح الأميركي والمتعلق بما سيلي من خطوات، وأهمها تشكيل القوة الدولية في غزة، وبما يعني أن الولايات المتحدة ماضية في نهجها، وأن على إسرائيل التعامل مع مصالحها بصرف النظر عن خروجها من بعض المنظمات الدولية، فوجود إسرائيل في المنظمات الدولية سيظل هدفاً استراتيجياً في المقام الأول.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية. 



إقرأ المزيد