جريدة الإتحاد - 1/31/2026 12:17:42 AM - GMT (+4 )
وسط زخم فعاليات اليوم الأول لأسبوع «الإمارات والكويت.. إخوة للأبد»، الذي انطلق أمس الأول، توقفت عند استدعاء المقام لفيلم «بس يا بحر»، أول فيلم كويتي بالأبيض والأسود، الذي كتب نصه الإماراتي عبدالرحمن الصالح وأخرجه الكويتي خالد الصديق، رحمهما الله. ذلك العمل لم يكن مجرد تجربة سينمائية مبكرة، بل شهادة إنسانية صادقة على مرحلة قاسية من شظف العيش، سبقت اكتشاف النفط، وجسّدت ملامح الحياة المشتركة لأبناء الخليج قبل التحولات الكبرى.
استعادة الحديث عن «بس يا بحر» جاءت كنافذة تطل على بواكير التمازج الثقافي بين الإمارات والكويت، حين كان الإبداع يتشكّل بالفطرة، وتُبنى الجسور الثقافية من دون خطط أو اتفاقيات، بل بروح الأخوة والحاجة المشتركة للتعبير. وهو ما يجعل الفيلم، حتى اليوم، مادة ملهمة لأجيال لم تعش تلك المرحلة، لكنها مطالبة بفهم جذورها.
في جلسات المنتدى الإعلامي الإماراتي الكويتي، التي عقدت في متحف المستقبل بدبي، بدت الصورة أوضح: علاقات ثقافية ضاربة في العمق، أسهم فيها التعليم والصحة والإعلام، قبل قيام دولة الاتحاد، عندما بادرت الكويت بإنشاء المدارس والمستشفيات، وكانت المناهج متقاربة، والمجلات والصحف جسور تواصل، والشعراء يتبادلون القصائد والمجالس.
ولم يكن المشهد الفني بعيداً عن هذا التداخل، فالكويت شكّلت منارة فنية للعديد من المبدعين الإماراتيين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. من المسرح إلى الموسيقى، ومن الإذاعة إلى السينما، تكرّس التعاون بوصفه حالة طبيعية، لا تخضع لحسابات مادية، بل تقوم على الشغف والرغبة في الإبداع. الأغنية الإماراتية الكويتية، التي تناولتها إحدى الجلسات، تحوّلت مع الزمن إلى رمز وجداني يعكس وحدة الإحساس والمصير.
اللافت أن غالبية الحضور كانوا من الشباب، ممن لم يشهدوا تلك البدايات، لكنهم اليوم يبنون على أسس صلبة أرساها الرواد. وهنا تكمن أهمية هذه الفعاليات، فهي لا تكتفي بالاحتفاء بالماضي، بل تذكّر بأن ما يجمع الإمارات والكويت أكبر من الجغرافيا، وأعمق من المصالح، وأبقى من الزمن.
الرهان الحقيقي يكمن في العمل على صون هذا الإرث وتطويره عبر مشاريع ثقافية مشتركة تواكب التحولات المتسارعة، وتحافظ في الوقت ذاته على جوهر العلاقة الأخوية بين الإمارات والكويت. فكما كان الإبداع يوماً جسراً للتلاقي، يبقى اليوم أداة فاعلة لتعميق الفهم المتبادل، وتعزيز الشعور بأن ما يجمع الشعبين الشقيقين ليس صفحات من الماضي، بل مساراً ممتداً نحو مستقبل ثقافي واحد، تتلاقى فيه الذاكرة مع الرؤية، والأصالة مع الابتكار.
«بس يا بحر» جملة تختصر حكاية ذاكرة مشتركة، ما زالت أمواجها تمتد، وتهمس للأجيال: هنا بدأت الحكاية.
إقرأ المزيد


