أمن الممرات البحرية.. وخطر الإرهاب على الاقتصاد العالمي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لم تعُد الممرات البحرية تُهدَّد بالحروب أو بإغلاق المضائق بوصفها سيناريوهات حاسمة. تلك أحداث صاخبة، تجذب العناوين، لكنها نادرة ومحدودة الأثر الزمني والاستراتيجي. الخطر الحقيقي اليوم أكثر هدوءاً وأشدّ استدامة: أن تتحول السواحل المحاذية لخطوط التجارة العالمية إلى منصّات تشغيل للتنظيمات الإرهابية، تُدار منها المخاطر بالتراكم لا بالصدمة، ويُستخدم فيها الخوف كسياسة طويلة الأمد تُنتج ضغطاً اقتصادياً دائماً من دون تعطيل الملاحة فعلياً. لم تكن المضائق البحرية يوماً مجرد مساحات عبور، بل مفاصل سيادية أعادت عبر التاريخ رسم خرائط النفوذ وحددت مسارات القوة. غير أن السيطرة في عصر العولمة لم تعُد تعني الإغلاق أو الاحتلال، بل القدرة على إدارة بيئة التهديد المحيطة بالممرات، بحيث تبقى مفتوحة داخل هامش توتر دائم يضرب الثقة قبل أن يطال السفن. ورغم أن القانون الدولي يضمن حرية المرور، فإن التهديد المعاصر لا يصدر من البحر بقدر ما يتغذى من البر، حيث تلتقي هشاشة الدولة مع العنف المنظّم، وتتحول الجغرافيا الساحلية إلى مجال رمادي يُنتج ضغطاً مستمراً على النظام التجاري العالمي. تُظهر مقاربات الاقتصاد السياسي للأمن البحري أن الخطر الأكبر لا يكمن في توقف السفن، بل في تآكل اليقين الذي تقوم عليه سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة والتأمين. فالأسواق لا تنتظر الانفجار، بل تعيد تسعير المخاطر مسبقاً: ترتفع أقساط التأمين، تتضاعف كلفة التشغيل، تُعاد توجيه المسارات، وتطول الأزمنة البحرية من دون تعطيل فعلي. هنا يتشكّل ما يمكن تسميته بـ«الضغط الساحلي»: تهديد ينطلق من البر ليؤثر في البحر، فيرفع الكلفة، ويزعزع الثقة، ويعيد تسعير الاقتصاد العالمي من دون إطلاق رصاصة واحدة.

من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن بحر العرب إلى البحر الأحمر، تمرّ التجارة الدولية بمحاذاة دول تعاني هشاشة الحوكمة الساحلية، أو صراعات داخلية، أو اختراقات أيديولوجية عميقة. في هذه الجغرافيا لا يُولد الخطر في عرض البحر، بل يُصنَّع على اليابسة، حيث تتحول هشاشة الدولة إلى عامل مضاعِف للتهديد، ويغدو الساحل مساحة ضغط قابلة لإعادة التفعيل عند كل اضطراب سياسي أو أمني.ضمن هذه البيئة، برزت أطراف أعادت تشكيل طبيعة التهديد للممرات البحرية: تنظيمات متطرفة شبكية، وميليشيات عقائدية، وحركات أيديولوجية عابرة للحدود. هذه الجهات لا تعمل كقوى بحرية تقليدية تمتلك أساطيل أو سيطرة مباشرة، بل تعتمد على إدارة الضغط من السواحل القريبة من خطوط الملاحة، فتُربك الأسواق وتؤثر في حركة التجارة العالمية من دون مواجهة بحرية مباشرة، لأنها تدرك أن استهداف الثقة الاقتصادية واستقرار الملاحة أعمق أثراً من استهداف السفن ذاتها. يمثل تنظيم «القاعدة» النموذج التاريخي الأوضح لهذا المسار منذ مطلع الألفية، حين تعامل مع المجال البحري، ولا سيما في اليمن، بوصفه امتداداً لساحات نفوذه البرية، واستهدف السفن باعتبارها رموزاً اقتصادية ذات أثر سياسي يتجاوز قيمتها العسكرية.

وجاء تفجير المدمّرة الأميركية «كول» في ميناء عدن عام 2000 ليؤكد أن التهديد يمكن أن ينبثق من قرب الشاطئ، حيث تتراجع حماية البحر أمام تعقيدات البر، ويتجاوز الأثر الاقتصادي والسياسي حجم الفعل العسكري المباشر.

ويقدّم الصومال مثالاً مكثّفاً لهذا المنطق، إذ لم تكن القرصنة ظاهرة بحرية مستقلة بقدر ما كانت نتيجة مباشرة لانهيار الدولة الساحلية، وتحوّل الشريط الساحلي إلى اقتصاد فوضى مفتوح، بحيث يصبح البحر امتداداً لانكشاف برّي طويل الأمد، وتغدو الممرات البحرية رهينة هشاشة لا يمكن معالجتها بالقوة البحرية وحدها. أما في البحر الأحمر، فقد جسّد «الحوثيون» نموذج تحويل التنظيم المسلح إلى قوة ساحلية ضاغطة ذات أثر اقتصادي عالمي.

فالتهديد لم يستهدف إغلاق باب المندب، بل كسر انتظام الملاحة وإفقادها الاستقرار، ما دفع شركات الشحن إلى إعادة حساباتها، ورفع كلفة التأمين، وإطالة زمن الرحلة. هكذا تحولت المنطقة إلى بؤرة توتر اقتصادي دائم، حتى من دون تعطيل كامل للممر. وعلى مسار أكثر تعقيداً، تبرز الحالة السودانية بوصفها نموذج اختراق سياسي وأيديولوجي يُضعف الدولة من الداخل ويحوّل السواحل إلى نقاط ضغط كامنة.

فتنظيم «الإخوان»، بوصفه تنظيماً إرهابياً عابراً للحدود، لا يعمل كقوة بحرية، بل كأداة تفكيك مؤسسي تُسيّس القرار السيادي، وتُفرغ المؤسسات الأمنية من مهنيتها، وتُنتج منظومة رخوة تجعل الساحل قابلاً للاختراق، ويزداد هذا الخطر عمقاً بالنظر إلى البصمة التاريخية للجماعة في احتضان قيادات الإرهاب العالمي داخل السودان، وتحويل الدولة نفسها في مراحل سابقة إلى منصة عبور وحاضنة تشغيل. الخطر هنا لا يتمثل في هجوم مباشر، بل في استثمار الساحل كقاعدة ضغط استراتيجية، وجعل أمن الممرات البحرية رهينة لصراعات داخلية طويلة الأمد تُدار بأدوات غير مباشرة. وتتجلى هذه الهشاشة بوضوح في الحالة السودانية، حيث يتحول الساحل إلى نقطة ضعف استراتيجية تُدار فيها القرارات الأمنية من قبل حكومة بورتسودان بمنطق الاستقطاب لا بمنطق الدولة. هنا لا حاجة لاستهداف سفينة واحدة، يكفي تفكيك المؤسسات الأمنية وتسييسها، ليغدو الساحل مفتوحاً أمام أدوات ضغط غير مباشرة على الملاحة الدولية، ويصبح البحر امتداداً لأزمة برية عميقة. تكشف هذه النماذج أن التهديد الحقيقي للممرات البحرية لم يعُد مرتبطاً بإغلاق المضائق أو بالمواجهات العسكرية الكبرى، بل بتآكل اليقين الذي تقوم عليه التجارة العالمية. فالخوف ذاته يتحول إلى أداة استراتيجية تُعيد تشكيل سلوك السفن، ومسارات الشحن، وتسعير الطاقة، من دون معركة بحرية تقليدية. وحين يُعاد تسعير الاقتصاد العالمي بأسره.

وفي هذا السياق، يصبح التدخل الدولي ضرورة، لكن بشرط أن يتجاوز منطق الردّ العسكري إلى دعم استعادة الدولة لوظيفتها السيادية، وتأمين السواحل والموانئ، وتجفيف بيئات الاختراق الأيديولوجي. فالعسكرة قد تُخفّض وتيرة الهجمات، لكنها لا تُنهي مصدر الخطر ما دام الساحل هشاً والدولة مخترقة، لأن المعركة الحقيقية لا تُحسم في عرض البحر، بل على الشاطئ، حيث تتشكل بيئة التهديد.

وفي المحصلة، لا يكمن الخطر الحقيقي على الممرات البحرية في المضائق ذاتها، بل في البر حين يفقد سيادته. فحيث يُترك الساحل للفوضى يصبح البحر رهينة، وحيث تستعيد الدولة قدرتها على فرض سيادتها، تستعيد الممرات دورها الطبيعي كشرايين للاقتصاد العالمي. وأخطر ما تفعله التنظيمات الساحلية ليس مهاجمة السفن، بل دفعها إلى تغيير سلوكها الملاحي... وعندها يبدأ الأثر الحقيقي.

*كاتب وباحث إماراتي
 



إقرأ المزيد