جريدة الإتحاد - 2/9/2026 11:51:18 PM - GMT (+4 )
في علم النفس السياسي، لا تدار الصراعات الكبرى بالسلاح أو المال فقط، بل بعقول القادة ونهج الدبلوماسية المرنة المتبع لديهم، والالتزام بالاستراتيجيات والتوجهات الكبرى لدولهم، وتصوراتهم عن المستقبل، وإدراكهم للموقف وتقديره الشمولي بتأنٍ وحكمة.
أما الخلافات والانقسامات بين الدول والتي تمر بنزاعات مسلحة، فمن الطبيعي تدخل القوى الخارجية المختلفة في المشهد للاستفادة من النزاع وهو جوهر السياسة: انتهاز الفرص متى ما سنحت، من أجل المكاسب المتوقعة والنتائج المرغوبة. في العالم العربي تم دعم وزرع التنظيمات والحركات والجماعات التي تتبنى الإسلام السياسي بنسخته الأكثر تشدداً والأقل قبولاً للآخر المختلف، وما انبعث عنها لاحقاً من الجماعات والميليشيات المتطرفة والإرهابية، والأساس في كل ذلك ليس لها علاقة بالنقاء الديني وليست صناعة الحكومات العربية بل صنيعة الاستعمار والقوى، التي تسعى لفرض نفوذها على المنطقة، وإذا ما رجعنا لجذور المشكلة فكيف يُقَسَّم المقسِّم منذ الثمانينيات والتسعينيات، ودول تحولت لدولتين ومناطق تحكم نفسها بعيداً عن مركزية الدولة وهو واقع قائم، والصراعات لم تتوقف في تلك الدول منذ عقود، ما بين الميليشيات والجيوش والقوى التقليدية المحلية، وصراع مناطقي وجهوي لم يكن وليد الصدفة.
علم النفس السياسي يصف هذه الحالة بـ«صراع الأطر المرجعية»، فهناك دول ونخب تعتقد أنها وحدها من تملك الحقيقة ووجهة نظرها صواب مطلق، وبالتالي تستدعي الحاضر والتاريخ لضمان مصالحها بغض النظر عن العواقب. كما أن التمركز الاستراتيجي ليس مجرد التواجد في أرض، بل امتلاك القدرة والمرونة والتكيف مع جميع التحديات والمخاطر وتحويلها إلى فرص، ولذلك هي ليست مجالاً للمغامرات غير المحسوبة.
وإقليمياً، يرى البعض أن المنطقة تسير نحو مسار استنزاف استراتيجي مادي ومعنوي طويل الأمد، حيث الكُلفة مرتفعة والعائد منخفض في ميزان الردع الارتجالي، ولا سيما أن المنطقة حلقة وصل مهمة بين الشرق والغرب وبوابة التبادل العالمي التجاري وغير التجاري، وأي اضطراب فيها ينعكس فوراً على الاقتصاد والأمن القومي لمعظم دول العالم وكبرى الكيانات الصناعية والاقتصادية والمالية الدولية.
وهنا يبرز دور «الموازن الصامت»، والرهان على الوسطية الدبلوماسية كحل مستدام. وهناك دول شرق أوسطية غير عربية وأخرى جارة للوطن العربي تحفظ عن ظهر قلب كتاب «فن الحرب» لسون تزو، وقد رسّخت وجودها في المنطقة والمناطق المجاورة عبر طرق ووسائل متنوعة، والاستثمار في تواجد يُعد احتياجاً ومطلباً للآخر قبل أن يكون استراتيجية مربحة للمستثمر. وأصبحت بعض الدول ترى البحر الأحمر فضاءً أمنياً مفتوحاً، ليعكس إدراكاً استراتيجياً بأن مناطق الصراع والنزاع بمثابة وجه واحد لصراع لا يُفسَّر بالحاجة الأمنية فقط، بل بالخوف الجماعي من فقدان السيطرة على طرق الطاقة والتجارة.
في هذا السياق تبرز الجزر والموانئ كأدوات تمركز متقدم لضمان عدم انفلات حبات العقد، ولكن السيطرة يجب ألا تُعد هدفاً بحد ذاتها، فالأهم هو استراتيجية الردع الناعم. وفيما يتعلق بصراع التوجهات والأفكار والعقائد الوطنية في الشؤون الدولية المعاصرة، يمثل العامل الاستشرافي بعداً حاسماً بين من ينتمي إلى مدرسة سياسية يرى الزمن تهديداً، ويؤمن بالكسب السريع وبالتحولات المفاجئة والقرارات الصادمة بمنأى عن استدامة إدارة ملف المخاطر الاستراتيجية. وفي المقابل، يقف قادة المدرسة الواقعية الذكية التي تسخر كل أدوات العصر المتقدمة لتجنب ردود الأفعال التلقائية، وبالتالي فرق شاسع في شهية المدرستين للمخاطرة، وتقدير الموقف، ومنع الانهيار ومراعاة مصالح باقي اللاعبين المؤثرين في المشهد. هذا التباين بين المدرستين يفسر كثيراً من التباينات، ولماذا من المهم بمقدار إدارة الأزمات بحكمة لتجنب الفوضى في الدول الفاشلة لكونه يؤثر على استقرار ونمو وتنمية الجميع.
كما أن إعادة تشكيل الدول والتواجد القسري فيها يجب ألا يهدد موازين الهيمنة العالمية، والسعي لتحقيق حضور مؤثر في كل مناطق الاهتمام، مع الاعتقاد أن الكسب دائم والخسارة دائمة، وما تكسبه الدول هنا لن تخسره هناك، في نزاعات قادمة لم تعمل لها حساب، ودون أن تضع بالحسبان أن الآخرين خططوا لما تخطط هي له قبل عقود مضت.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعاييش السلمي وحوار الثقافات.
إقرأ المزيد


