جريدة الإتحاد - 2/9/2026 11:51:24 PM - GMT (+4 )
في ظل التطور السريع لمنصات التواصل الاجتماعي وانتشار الفضاء الرقمي، أصبحت جرائم السب والقذف الإلكتروني أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة، وقد أدركت دولة الإمارات العربية المتحدة، أهمية التعامل مع هذه الظاهرة برؤية شاملة ومتوازنة، تجمع بين الجوانب الوقائية والتوعوية والقانونية، لضمان استقرار المجتمع وحماية حقوق أفراده.وتجسيداً لهذه الرؤية، أطلقت «دائرة القضاء- أبوظبي» حملة موسّعة تحت شعار «مسؤولية»، عبر مركز أبوظبي للتوعية القانونية والمجتمعية، لتسليط الضوء على مخاطر جرائم السب والقذف الإلكتروني وبيان الآثار القانونية والاجتماعية المترتبة عليها.
وتأتي هذه المبادرة ضمن الجهود الرامية لترسيخ ثقافة احترام القانون ودعم الاستخدام الآمن والمسؤول للوسائل الرقمية، بما يعكس التزام دولة الإمارات بتحقيق بيئة رقمية آمنة تعمل على حماية الحقوق، ودعم الحوار الحضاري البناء بين أفراد المجتمع.
ويشير إطلاق هذه الحملة إلى إدراك الإمارات أن التحديات الرقمية لا تقتصر على الجانب التقني، بل تتجاوز ذلك لتشمل أبعاداً اجتماعية وثقافية، حيث يسهم الغضب والانفعالات السريعة، والرغبة في الانتقام، والبحث عن الشهرة، في تفشي ممارسات الإساءة عبر الإنترنت. كما أن ضعف الوعي القانوني والأخلاقي، لدى بعض فئات المجتمع يزيد من تفاقم هذه الظاهرة، ما يجعل التوعية القانونية المتكاملة ضرورة ملحة.
وتهدف الحملة إلى تقديم محتوى متنوع يجمع بين التعليم القانوني والممارسة العملية، بحيث يتيح للأفراد فهم مسؤولياتهم والحد من المخاطر المحتملة عند استخدام منصات التواصل الاجتماعي. وتشمل مجموعة من الأدوات المبتكرة، من إنتاج فيديوهات ومقاطع صوتية ومواد رقمية تفاعلية، إلى نشر منشورات قانونية مبسطة حول مفهوم السب والقذف، وصورهما، والوسائل المستخدمة في ارتكابهما، والعقوبات المقررة قانوناً.
كما تتضمن الحملة عرض نماذج وقصص وقضايا حقيقية نُظرت أمام المحاكم بهدف استخلاص الدروس والعبر، مع تنظيم محاضرات وورش عمل في المدارس والجامعات والمجالس، لتعزيز ثقافة الحوار المسؤول والالتزام بضوابط التعبير عن الرأي واحترام الآخرين في الفضاء الرقمي.
وتنطوي الحملة على حقيقة مهمة، مفادها أن حماية المجتمع لا تتحقق فقط عبر التشريعات والعقوبات، بل تتطلب إشراك الأفراد في عملية التثقيف القانوني وبناء الوعي الأخلاقي والثقافي، بما يسهم في تشكيل مجتمع واعٍ ومسؤول. وفي هذا السياق، تأتي الحملة لتعزز من دور الفرد كمحرك للتغيير، من خلال تشجيعه على ضبط النفس، واحترام آراء الآخرين، والتفكير قبل النشر أو التعليق، وتطبيق الأدوات الرقمية المتاحة لحماية نفسه ومن حوله.
وللحملة بعد مؤسسي مهم، يعكس حرص القيادة الرشيدة على تطوير نظام قضائي متقدم يواكب التحديات الرقمية الحديثة، ويؤكد قدرة المؤسسات على التكيف مع التطورات التكنولوجية وحماية المجتمع بشكل استباقي وفعّال. ويجسّد هذا البعد رؤية الإمارات في تحقيق التوازن بين الابتكار الرقمي وحماية الحقوق، وضمان أن يكون الفضاء الرقمي مسرحاً للتواصل الإيجابي، ونشر المعرفة، وتعزيز التعاون بين جميع فئات المجتمع، بعيداً عن التمييز أو الإساءة أو التشهير، مع تعزيز ثقافة المسؤولية الرقمية والوعي القانوني.
تتبنى الحملة منهجية شاملة تستهدف جميع فئات المجتمع، بحيث تقدم لهم المعرفة القانونية بطريقة مبسطة وتفاعلية، وتشجع على ترسيخ قيم الاحترام المتبادل، والتعاون البنّاء، والحوار المسؤول، وتعزيز الوعي بأهمية المسؤولية الفردية والجماعية في المجتمع الرقمي. كما توفر الحملة أدوات عملية تساعد الأفراد على حماية أنفسهم قانونياً وفنياً، مثل ضبط إعدادات الخصوصية، واستخدام أدوات الحظر والإبلاغ، والاحتفاظ بالأدلة عند التعرض للإساءة أو التهديد، مع تقديم نصائح مستمرة لتعزيز السلامة الرقمية.
تعكس حملة «مسؤولية»، أولويات دولة الإمارات التي تضع حماية الإنسان في المقدمة، وتعكس رؤية القيادة الرشيدة التي تعتبر أن التنمية الحقيقية لأي مجتمع لا تتحقق إلا عبر بناء قدرات الأفراد وتعزيز وعيهم بالقوانين والأخلاقيات، بما يؤدي إلى مجتمع أكثر تماسكاً واستقراراً. وتعد الحملة نموذجاً على كيفية دمج التوجهات القانونية مع التوعية المجتمعية لتعزيز ثقافة احترام القانون وحماية الحقوق في العصر الرقمي.
* صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


