جريدة الإتحاد - 2/10/2026 11:46:14 PM - GMT (+4 )
.. ليست قصة الذكاء الاصطناعي في الإمارات العربية المتحدة حكاية استيرادٍ لتقنيةٍ عابرة، ولا سباقاً محموماً للحاق بركبٍ عالميٍّ يتسارع، إنها، في جوهرها، إعادةُ تعريفٍ لمعنى الدولة في زمن الخوارزميات. فبينما تتعامل دول كثيرة مع الذكاء الاصطناعي بوصفه قطاعاً اقتصادياً جديداً، تعاملت معه الإمارات باعتباره أفقاً سيادياً ومعرفياً، ورافعةً لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعرفة والسُّلطة والقرار.
ومنذ اللحظة التي أُدرج فيها الذكاء الاصطناعي ضمن أولويات الدولة العليا، لم يُقدَّم بوصفه أداةً لتحسين الخدمات فحسب، بل باعتباره بنيةً عقليةً جديدة للدولة. هكذا خرجت الاستراتيجيات من حدود الرقمنة الإدارية إلى مشروعٍ أعمق: تحويل البيانات إلى رأسمال معرفي، والخوارزميات إلى شريكٍ في صناعة القرار، والابتكار إلى ثقافةٍ عامة لا إلى مختبرٍ مغلق.
ولم يَعُد السؤال في الإمارات: كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف نُعيد بناء الدولة على أساسه؟ هذا التحوّل لم يكن ممكناً، لولا إرادة سياسية ترى في المستقبل مسؤوليةً لا احتمالاً. في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، جرى الانتقال من منطق الاستجابة للتحديات إلى منطق صناعة الفرص. لم يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كتهديدٍ لسوق العمل أو كبديلٍ للإنسان، بل كأداةٍ لتحرير الإنسان من التكرار، وتوجيهه نحو الإبداع، ورفع سقف إنتاجيته المعرفية.
هنا يتجلّى الفارق بين دولةٍ تُدير التقنية، ودولةٍ تُدير بها مستقبلها. ولأن الريادة لا تُبنى بالقرارات وحدها، كان لا بدّ من تأسيس بنيةٍ مؤسسيةٍ تُترجم الرؤية إلى واقع. من هذا المنطلق برزت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي كأول جامعةٍ متخصصة عالمياً في هذا المجال على مستوى الدراسات العليا، لتكون مختبراً للعقول قبل أن تكون قاعةً للمحاضرات. لم تُنشأ الجامعة لتخريج مستخدمي التقنية، بل لصناعة باحثين ومطوّرين وقادة فكرٍ قادرين على إنتاج المعرفة لا استهلاكها. إنها إعلانٌ بأن الإمارات لا تريد أن تكون سوقاً للذكاء الاصطناعي، بل مصدراً له. وفي موازاة البناء الأكاديمي، تشكّلت منظومةٌ صناعية واستثمارية تقودها كياناتٌ تقنية كبرى مثل G42، التي تحوّلت إلى فاعلٍ عالمي في تطوير حلول الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في الصحة والطاقة والأمن الغذائي. هكذا تداخل البحث مع السوق، والاستثمار مع الابتكار، في شبكةٍ واحدة تجعل من التقنية محرّكاً للاقتصاد الوطني، لا ملحقاً به.
غير أن التفرد الإماراتي لا يكمن في كثافة الاستثمار أو سرعة التنفيذ فحسب، بل في البُعد القِيمي المصاحب. فقد اقترنت الطموحات التقنية بإطارٍ أخلاقي واضح يؤكد على الحوكمة المسؤولة، وحماية البيانات، وضمان عدالة الوصول إلى الخدمات الرقمية. فالذكاء الاصطناعي، في الرؤية الإماراتية، ليس سلطةً عمياء، بل أداةً ينبغي أن تخضع لمعايير الشفافية والمساءلة. هنا يتبدّى وعيٌ مبكّر بأن المستقبل لا يُقاس بقوة الخوارزمية وحدها، بل بسلامة الإطار الذي يحتضنها.
وبهذا المعنى، لم تَعُد الإمارات تطرح نفسها دولةً متقدمة في التكنولوجيا فحسب، بل نموذجاً لدولةٍ تعيد تعريف قدراتها في عصر البيانات.
السيادة اليوم لا تُختزل في الحدود الجغرافية، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي، وإلى القدرة على إنتاج المعرفة وتوجيهها. ومن يملك الخوارزمية، يملك جزءاً من هندسة العالم القادم. ما يحدث في الإمارات ليس تحديثاً إدارياً ولا طفرةً تقنية عابرة، بل انتقالٌ نوعيٌّ من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الذكاء، ومن إدارة الموارد إلى إدارة المعارف. إنها تجربةٌ تقول، بصوتٍ واثق، إن المستقبل لا يُنتظر… بل يُصمَّم.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة.
إقرأ المزيد


