جريدة الإتحاد - 2/10/2026 11:46:19 PM - GMT (+4 )
أبرمت الهند مع الاتحاد الأوروبي اتفاقية تُوصف على نطاق واسع بأنها «أم الاتفاقيات»، في اتفاق يوصف بكونه صفقة تجارية ذات بُعد جيوسياسي. ستشهد هذه الاتفاقية تخفيضات جمركية هائلة على مجموعة واسعة من السلع والخدمات، وستتيح التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة أوروبية والهند، والتي تُمثل مجتمعةً 25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وسوقاً يبلغ تعداد سكانها ملياري نسمة.
وقد وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية الاتفاقية بأنها «أم الاتفاقيات»، بينما وصفها رئيس الوزراء ناريندرا مودي بأنها «تاريخية». وبموجب بنود اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي، مُنحت الهند تسهيلات أكبر في الوصول إلى قطاعاتها كثيفة العمالة، مثل المنسوجات والملابس والجلود والأحذية والمنتجات البحرية والحرف اليدوية والسلع الهندسية والسيارات، مما أدى إلى خفض الرسوم الجمركية من 10% إلى ما يقارب الصفر على صادرات بقيمة 33 مليار دولار اعتباراً من تاريخ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.
وفيما يتعلق بقطاع السيارات، تم اعتماد حزمة تحرير تدريجية ومدروسة قائمة على نظام الحصص، تتيح لشركات السيارات الأوروبية طرح طرازاتها في السوق الهندية ضمن فئات سعرية أعلى، كما تفتح الباب أمام توسيع مبادرة «اصنع في الهند» وزيادة الصادرات من الهند مستقبلاً.
ووفقاً للحكومة الهندية، سيستفيد المستهلكون الهنود من المنتجات الأوروبية عالية التقنية ومن زيادة المنافسة في السوق. كما سيُتيح الوصول المتبادل إلى سوق الاتحاد الأوروبي فرصاً للسيارات المصنعة في الهند للوصول إلى الأسواق الأوروبية. بالنسبة للاتحاد الأوروبي، سيتم إلغاء أو تخفيض الرسوم الجمركية على 96.6% من صادراته من السلع، مما سيوفر ما يصل إلى 4 مليارات يورو سنوياً على المنتجات الأوروبية. وسيتمتع مُصدّرو الاتحاد الأوروبي بميزة تنافسية، مع أكبر انفتاح تجاري تُقدمه الهند على الإطلاق لأي شريك تجاري.
يأتي هذا الاتفاق في وقت يسعى فيه الطرفان إلى إدارة حالة عدم اليقين الناجمة عن السياسات الاقتصادية والخارجية للولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب ذات التوجهات التجارية المتزايدة. ورغم أن العلاقات مع الولايات المتحدة تظل الأكثر أهمية للطرفين، فإن الهند والاتحاد الأوروبي يبذلان جهوداً للتخفيف من تداعيات سياسات واشنطن مثل الرسوم الجمركية المتبادلة. فقد واجهت الهند رسوماً بنسبة 50% خُفّضت لاحقاً إلى 18% بعد أسبوع من توقيع الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي. كما شعر الاتحاد الأوروبي بالقلق من تهديدات الرسوم الجمركية والضغوط المرتبطة بحلف شمال الأطلسي (الناتو) بشأن ضم جرينلاند ذات الأهمية الاستراتيجية. وكانت واشنطن قد فرضت رسوماً بنسبة 50% على الهند، شملت عقوبات إضافية بسبب مشترياتها من النفط الروسي.
بالنسبة للاتحاد الأوروبي، تُتيح العلاقات الوثيقة مع الهند سوقاً واسعة وتُساعده على تعزيز نفوذه الاستراتيجي في آسيا. بلغ حجم التبادل التجاري بين الهند والاتحاد الأوروبي 136 مليار دولار في السنة المالية 2024-2025، بينما بلغ حجم التبادل التجاري مع الولايات المتحدة في السنة نفسها 131.84 مليار دولار. ووفقاً لبيانات المفوضية الأوروبية، كانت الهند تاسع أكبر شريك تجاري للاتحاد، حيث استحوذت على 2.4% من إجمالي تجارة السلع في عام 2024، وهو ما يقلّ كثيراً عن نسبة الولايات المتحدة البالغة 17.3% والصين البالغة 14.6%. ويستورد الاتحاد الأوروبي بشكل رئيس الآلات والأجهزة المنزلية، والمواد الكيميائية، والمعادن الأساسية، والمنتجات المعدنية، والمنسوجات، بينما تشمل صادراته الرئيسة إلى الهند الآلات والأجهزة المنزلية، ومعدات النقل، والمواد الكيميائية.
ومن المتوقع أن يفتح الاتفاق آفاقاً جديدة في قطاعات مثل السيارات، حيث ستتيح الهند وصولاً أوسع لشركات السيارات الأوروبية، وتسعى في الوقت نفسه إلى إقامة شراكات بين شركات السيارات الهندية والأوروبية. وقد تضرر المصدرون الهنود، بمن فيهم العاملون في قطاعات مثل الأحجار الكريمة والمجوهرات، بشدة جراء التعريفة الجمركية الأميركية البالغة 50%، وهم يأملون الآن في الاستفادة من وصول أوسع إلى السوق الأوروبية.
وعلى نطاق أوسع، تشير هذه الاتفاقية إلى شركاء الهند العالميين بأنها تتطلع إلى أسواق تصديرية مقابل وصول أوسع إلى اقتصادها القائم على الاستهلاك. وخلال الأشهر السبعة الماضية، كثفت الهند مفاوضاتها التجارية، ووقعت اتفاقيات تجارة حرة مع المملكة المتحدة ونيوزيلندا وسلطنة عمان، في الوقت الذي تسعى فيه إلى تحديث اتفاقيات أقدم، مثل اتفاقية التجارة في السلع بين الهند ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) لعام 2010.
ولم يقتصر الأمر على توقيع الاتحاد الأوروبي والهند اتفاقية التجارة الحرة التي وُصفت بالتاريخية، بل وقعا أيضاً اتفاقية بشأن التنقل والهجرة. وقد تم إبرام هذا الاتفاق بالتزامن مع اتفاقية التجارة الحرة، ومن المتوقع أن يُحسّن بشكل كبير المسارات القانونية للطلاب والعمال المهرة الهنود الراغبين في السفر إلى دول الاتحاد الأوروبي. يتيح الإطار الجديد للتنقل للهنود سهولة أكبر في السفر والدراسة والعمل في جميع دول الاتحاد الأوروبي. ويقيم حالياً أكثر من 800 ألف هندي في دول الاتحاد الأوروبي ويسهمون فيها بفعالية. كما أُعلن عن إطلاق أول مكتب تجريبي للبوابة القانونية الأوروبية، ليكون مركزاً شاملاً لتوفير المعلومات ودعم حركة العمال.
كما وقع الجانبان اتفاقية الشراكة الأمنية والدفاعية بين الاتحاد الأوروبي والهند، وهي أول إطار شامل من نوعه بين الطرفين في مجالي الدفاع والأمن. ومن المتوقع أن يعزز هذا الاتفاق التعاون في مجالات الأمن البحري، والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا، ومواجهة التهديدات السيبرانية والهجينة، والفضاء، ومكافحة الإرهاب، وغيرها من المجالات.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي.
إقرأ المزيد


