جريدة الإتحاد - 2/10/2026 11:46:26 PM - GMT (+4 )
لم يكن مصطلح «الجماهير» مألوفاً عربياً، مع وجود «الجمهور»، وهو الإشارة إلى جماعة الفقهاء، فيقال ما اتفق عليه الجمهور، أما «الجماهير» فجاءت عنواناً بديلاً عن «العوام»، فربَّما عرفه قراء العربيّة بعد ترجمة كتاب «سيكولوجية الجماهير» لغستاف لوبون، الصَّادر في نهاية القرن التاسع عشر، وكثيراً ما أشير للعامة والعوام مقابل الخاصة والخواص، ولا ننسى استخدام الأحزاب والحركات الثّورية له في خطابها، على أنها الشَّعب، وكذلك الجمهوريات الثّوريَّة، وقلما نجد الأنظمة الملكيّة استخدمت المصطلح. أتينا على مصطلح «الجماهير» بعد المشاركة في ندوة كان عنوانها «كسر الحواجز حين تخاطب المعرفة جمهورها» ضمن ندوات المنتدى الإعلاميّ السُّعوديّ، والمطلوب كسر الحواجز بين النُّخبة والجماهير.
كانت الثقافة والمعارف مِن حصة الخواص قديماً، لأن المعارف تحتاج إلى عقول لإدراكها، تبدأ بالتأهيل من الطُّفولة، والسّواد الأعظم لا يحصل على التعليم، ومع تطور وسائل التواصل صارت المعارف مشاعة، لكن مع ذلك تجد نسبة الجهل طاغيَّة، وكان السؤال كيف يوصل أهل المعرفة نتاجهم إلى الجماهير؟ فالقدماء كانوا يخشون مِن وضع المعارف في غير محلها، فيكون مردودها سلبياً، لذا ارتأوا أن تبقى متداولة بين النّخب، فإذا بسطوها انتهت قيمتها، فمثلاً سلامة موسى (1958) اقترح الكتابة باللهجة المحكية، كأسلوب لـ«كسر الحواجز» بين النخب والجماهير، لكن العربيّة محكية في عشرات اللهجات، والفكر ليس الرواية أو القصة، كتابتها باللهجة تعظم قوتها.
إخوان الصَّفا، وهم نُخبة فكرية، (أو مجموعةٌ من الفلاسفة العرب المسلمين، عاشوا في القرن العاشر الميلادي في مدينة البصرة بالعراق، واتفقوا على توحيد المذاهب الإسلامية، والنظريات الفلسفية)، طرحوا إشكالية إيصال رسائلهم إلى الجماهير، بما عبّروا عنه بالعوام، صيانة للأفكار، وكان ذلك السبب الأول في سريتهم. قالوا: «إنّا لا نكتم أسرارنا عن النّاس خوفاً من سطوة ملوك ذوي السّلطنة الأرضية، ولا حذراً من شغب جمهور العوام، ولكن صيانة لمواهب الله عز وجل لنا، كما أوصى المسيح فقال: لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم» (الرسالة السابعة من العلوم النّاموسية والشرعية).
فالرّسائل صنّفت للعلماء والحكماء، وإذا ما صارت بيد العوام قل قدرها، فلا يطّلع عليها إلا الإنسان العارف، الذّي له صحبة كصحبة «إخوان الصّفا»، وهم بهذا لا يقدمون أنفسهم أعداء للسلطة، إنما قصدوا إشاعة المعرفة والثّقافة لأجل قيام المدينة الفاضلة بعد تهيئة العقول لقيامها، وهذا يشمل الملوك وأبناءهم، وأبناء الدّهاقين (رؤساء القرى)، وأرباب الضّياع، وسواهم (الرسالة الأولى، القسم الرياضي). لكنهم لم يحرموا الجماهير مِن المعرفة، إذا تم ذلك تحت إشرافهم، فمجالسهم مفتوحة لمن لم يفهم ما في الرّسائل، أو من لم يستطع قراءتها، إذا طلبها، له سماعها ممن فهمها واستوعبها، وليس المقصود بالمجلس هنا مصنفي الرّسائل أنفسهم، إنما من تبنى أفكاره. فقالوا: «إن كنت لا تُحسن كيف تقرأ هذا الكتاب، وكيف تحسب هذا الحساب، وكيف تزن هذا الميزان، وكيف تجوز هذا الصّراط، فهلم مجلس إخوان لك نصحاء، أو أصدقاء لك كرماء، فضلاء أخياراً علماء، محبين لك، متوددين إليك، فيعرفونك ما لا تنكره، ويعلمونك ما تتيقنه، ولا تشك فيه بشواهد من نفسك، وبراهين من ذاتك...» (الرسالة الثانية عشرة من الجسميات الطّبيعيات).
بمعنى اللجوء إلى التعليم المباشر، ومَن يطلب معرفة ما في الرسائل حُسب على النّخبة، لأنَّ الطَّلب بحد ذاته شأن نخبويّ، فالجاهل لا يطلب ولا يسأل عن المعرفة. كان ذلك أسلوب محدود لكسر الحاجز بين أهل المعرفة والجماهير، أو العوام بلغة الأقدمين. كان الوليد بن عبيد البُحتُريِّ (280هج) قاسياً غرو الكثير مِن أصحاب الأفكار والمعارف، الذين حال لسانهم يقول: «على مَن لا يفهم شعره حين قال: «عليَّ نحتُ القوافي مِن معادنها/ وما عليّ إنْ لم تفهم البقرُ» (كتاب الموازنة)، وإن تواضع «إخوان الصفا» وهم فلاسفة، ووجدوا طريقاً لإفهام العاميّ، فغيرهم قد تعصب لنخبويته، ولا يتردد مِن رمي الجماهير ببيت البُحتُريِّ.
*كاتب عراقي
إقرأ المزيد


