جريدة الإتحاد - 2/11/2026 12:20:15 AM - GMT (+4 )
بعض الكتب تقودنا إلى المكان الذي تريد أن تُقرأ فيه، كتبٌ لا تقبل الجدران ولا تكفيها رائحة القهوة ولا يسعها الكرسي الوثير، بل تطلب فضاء مفتوحاً تتنفس فيه. كتب تشي لك بأنها ستصبح أجمل عندما تصغي إليها وسط طبيعة ما، صوت عصافير، أو هدير موج، أو حتى ضجيج بشر. بعض هذه الأجواء تَمنح لنص في أي كتاب حياة إضافية! لهذا نفذت مؤسسة بحر الثقافة مبادرة «إيقاع القراءة» ضمن أجندة فعالياتها السنوية لعضوات المؤسسة.
تقوم الفكرة على إطلاق الكتاب من محبسه، وتجربته في فضاءات مختلفة، ستقوم كل عضوة بجلب كتابها الخاص الذي يشغلها حالياً، لتقرأه في الزمن نفسه مع أخريات، من دون رابط سوى الحضور والمكان، مرة تحت ظلال الشجر وامتداد العشب، ومرة -كما حدث الأسبوع الماضي- على متن يخت يجوب ساحل أبوظبي، حيث كان البحر خلفية حقيقية لا مجرد مشهد، هناك جاءت القراءة فعل كله حركة لها لون ورائحة البحر.
بعد القراءة، تلتقي كل عضوة مع مجموعة صغيرة لتتحدث عما قرأت، ولماذا اختارت هذا الكتاب تحديداً، وأي أثر تركه فيها، ثم تختار كل مجموعة قراءة واحدة، فتتقدم صاحبة الكتاب الذي تم اختياره لتشاركه مع الجميع، في عملية لا يتجاوز زمنها ساعتين ونصف الساعة.
هذه المساحة المشبعة بالحضور والمعنى، تصبح فيها التجربة الإنسانية للقراءة، فعلاً مُهماً لا يقل عن فعل القراءة نفسه، ففي العزلة نكون وحدنا مع النص، نتفاعل معه بصمت، أما في «إيقاع القراءة»، فنحن نتفاعل مع النص والمكان والجسد والآخرين في وقت واحد، يحدث كل هذا في حضرة الطبيعة، حيث يصبح المكان جزءاً من المعنى، والطاقة المحيطة وسيطاً يربطنا بالنص على نحو أعمق.
تكتسب القراءة في هذه الأجواء ذاكرة خاصة، رسختها الروائح، والأصوات الخفيفة والضحكات العابرة، ونسمات البحر الذي أصابه الحماس فجأة وكأنه سعيد بنا؛ كلها أحوال تداخلت مع الكتاب وصنعت طبقة شعورية تحفظ النص في الوجدان، في هذه العملية نحن لا نتذكر ما قرأناه فقط، بل نتذكر كيف كنا حين قرأناه.
من «إيقاع القراءة» لا نخرج بكتب جديدة فحسب، بل نخرج بذاكرة مشتركة، نتبادل خلالها الدهشة، فالكتاب الذي يُقرأ في إيقاع الطبيعة، وبين بشر يتشاركون الإصغاء، لا يعد تجربة فردية عابرة، بل تجربة فريدة تفعل فيها الطبيعة فعلها في ضبط إيقاع وعينا مع إيقاعها، تجربة منحت النص حياة ثانية.. حياة تعيش فينا زمناً أطول.
إقرأ المزيد


