«حرية» ترامب.. واستقلالية الفيدرالي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يتواصل سعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتحقيق هدفه بـ«تسييس» السياسة النقدية، للهيمنة على قرار الاحتياطي الفيدرالي وتجريده من استقلاليته النقدية، وإخضاعه إلى قرارات إدارته السياسية بشكل مباشر، وذلك تمهيداً لتوفير غطاء مالي غير محدود لأجندته السياسية والعسكرية، حتى لو كان على حساب الاستقرار المالي والنقدي للاقتصاد الأميركي.
وبحكم استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، واستناده إلى البيانات الاقتصادية، خصوصاً في تحديد سياسته النقدية وخوفه من إشعال الخفض الكبير في أسعار الفائدة لمعدلات التضخم السنوية المستقرة في حدود2.7 في المئة، وخلق فقاعات جديدة في أسواق العقارات والأسهم، نتيجة تشجيع نشاط الاقتراض عالي المخاطر كما حدث قبيل أزمة 2008، لذلك قرر في جلسة عقدت برئاسة جيروم باول في 29 يناير الماضي تثبيت أسعار الفائدة بين 3.5 في المئة إلى 3.75 في المئة، ثم جاء الرد سريعاً، وبعد يومين فقط، بإعلان ترامب عن مرشحه كيفن وورش لرئاسة الفيدرالي بدءاً من مايو المقبل، موعد نهاية ولاية باول.
ولكن يبدو أن معركة ترامب لتحقيق هدفه بخفض الفائدة إلى الواحد في المئة، لن تنتهي في ذلك الموعد، في حال استخدم باول حقه القانوني بالاحتفاظ بمقعده في مجلس المحافظين لمدة سنتين حتى مايو 2028. وكان يتهرب من الإجابة عن سؤال الصحفيين، ويلوذ بالصمت، ولكنه في آخر مرة، أجاب بلهجة حاسمة قائلاً: «مرة أخرى، لا أريد الخوض في هذا الأمر». وقد فسّر المراقبون هذا الثبات بأنه «ليس وليد الصدفة، بل هو جوهر استراتيجية مدروسة، فصمت باول هو الورقة الوحيدة والأخيرة التي يمتلكها في مواجهة إدارة أميركية أمضت شهوراً في محاولة الضغط على «المركزي»، مع الإشارة إلى أن صوت باول سيكون المرجح (بيضة القبان) في التصويت داخل المجلس، الذي يتألف من7 أعضاء.
وتجدر الإشارة إلى أنه تاريخياً، لم يبقَ أي رئيس في المجلس بعد خسارة الرئاسة، سوى مارينر إيكلز عام 1948، الذي بقي لمواجهة ضغوط الرئيس ترومان، وهو الصدام الذي أدى لاحقاً لتأكيد «استقلالية الفيدرالي». كما تشير سيرة «ألان غرينسبان»، أنه كان سيبقى «بشكل شبه مؤكد» عضواً لو لم يجدد له الرئيس كلينتون الولاية في عام 1996، لشغفه بالعمل وتأثيره فيه. لكن وضع باول مختلف، فهو لا يملك دعوة للبقاء» ولا رغبة جامحة في الاستمرار، بل يواجه خيارات مريرة، فإما البقاء والاضطرار لمعارضة سياسات يراها «متهورة» من داخل المجلس، أو الرحيل بطريقة تبدو وكأنها رضوخ سياسي. وبينما يرفض «باول» الحديث عن مستقبله، يظل متمسكاً بمبدئه المعلن: «فقدان مصداقية الفيديرالي واستقلاليته، هو الخطر الأكبر، ونحن لم نفقدها بعد ولن نفعل».
وتأتي هذه التطورات مع تضخم حجم الدين الأميركي وارتفاعه إلى نحو 38.5 تريليون دولار، وقد بلغت كلفة الفوائد 970.4 مليار دولار في العام الماضي، ونتيجة لهذه الفاتورة المتصاعدة، يرى ترامب أن أسعار الفائدة المرتفعة هي عائق مباشر أمام «حريته» في التحرك بالسياسة المالية، بل وتهديدا لقدرة إدارته على الوفاء بالتزاماتها دون المزيد من التوسع في الدين، علماً بأن نحو ثلث الدين الأميركي حتى نهاية العام الماضي، هو دين خارجي قصير الأجل، أي تقل مدة استحقاقه الأصلية عن سنة واحدة، لذا فإن أي انخفاض في أسعار الفائدة ينعكس بشكل فوري على تخفيض تكلفة خدمة الدين في الميزانية.
* كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية. 



إقرأ المزيد