محمد المبارك: دور محوري للمتاحف والمواقع التراثية في تواصل الأجيال مع تاريخهم وإرثهم الحضري
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

أبوظبي (الاتحاد)
أكد معالي محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، أن مناسبة اليوم العالمي للأُسَر التي تصادف 15 مايو، تُعد فرصة مهمة لإبراز صوت فكري ومؤسّسي يعكس فهماً عميقاً للدور المحوري الذي تؤديه الأسرة في ترسيخ تماسك المجتمع الإماراتي واستدامة هويته الثقافية والاجتماعية، كما تنسجم هذه الرسائل مع الرؤية طويلة المدى التي تقود جهود دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي في بناء مجتمع أكثر ترابطاً ووعياً بهويته الثقافية، وتعزيز جودة الحياة والازدهار المجتمعي المستدام، مشيراً إلى أن للمتاحف والمواقع التراثية والمؤسسات الثقافية دوراً محورياً في تعزيز هذا الارتباط، من خلال توفير مساحات تفاعلية تُمكّن الأجيال الجديدة من التواصل المباشر مع تاريخهم وإرثهم الحضاري، بما يعمّق شعورهم بالفخر والانتماء لهويتهم الوطنية.
وقال المبارك لـ«الاتحاد»: لطالما شكّلت الأسرة في دولة الإمارات الركيزة الأساسية للمجتمع، والحاضنة الأولى التي تُغرس فيها قيم التماسك والتكافل والاحترام والانتماء الوطني. فمن داخل الأسرة تتكوّن ملامح الهوية، وتتجذَّر القيم التي أسهمت على مدى عقود في بناء مجتمع متماسك وواثق بخصوصيته الثقافية. مضيفاً: مثّلت التقاليد المتوارثة جسراً حيوياً يربط الأجيال بتاريخها وإرثها، ويحفظ الذاكرة الثقافية للمجتمع في ظل عالم سريع التحوّل. فهي لا تنقل العادات والممارسات فحسب، بل تحمل معها منظومة متكاملة من القيم والمعارف وتجارب الآباء والأجداد التي شكّلت شخصية الوطن ورسّخت وحدته الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، أكد المبارك: تؤدي المتاحف والمواقع التراثية والمؤسسات الثقافية دوراً محورياً في تعزيز هذا الارتباط، من خلال توفير مساحات تفاعلية تُمكّن الأجيال الجديدة من التواصل المباشر مع تاريخهم وإرثهم الحضاري، بما يعمّق شعورهم بالفخر والانتماء لهويتهم الوطنية. لافتاً: في الوقت الذي تواصل فيه دولة الإمارات العربية المتحدة مسيرتها التنموية الطموحة، تبقى الأسرة الإماراتية، بما تحمله من قيم أصيلة، إحدى أهم دعائم قوة النسيج الاجتماعي واستدامة التماسك المجتمعي، بما يضمن استمرار الروابط الإنسانية والثقافية التي تميّز الدولة. وأشار المبارك إلى أن الإعلان عن عام 2026 «عام الأسرة» يعكس رؤية وطنية راسخة تؤكد أن بناء الإنسان وتعزيز تماسك المجتمع يمثّلان أولوية استراتيجية لا تقلّ أهمية عن مسيرة التنمية الاقتصادية والطموحات العالمية لدولة الإمارات، فالأسرة تبقى الأساس الذي يقوم عليه مجتمع مستقر ومتماسك وواثق بقدرته على مواصلة التقدم مع الحفاظ على هويته وقيمه الأصيلة. موضحاً: كما يعكس هذا الإعلان التزام الدولة المستمر بترسيخ ركائزها الاجتماعية والثقافية، انسجاماً مع رؤيتها طويلة المدى لبناء مجتمع متوازن يجمع بين الحداثة والمحافظة على الهوية الوطنية. وفي الوقت الذي تواصل فيه الإمارات ترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً للابتكار والمعرفة، تتعاظم أهمية صون القيم الأسرية والموروث الثقافي لضمان أن يبقى هذا التقدم متجذِّراً في الوعي المجتمعي والذاكرة الوطنية. وقال المبارك: «الثقافة لا تقتصر على المؤسسات أو الفعاليات، بل تتجسّد يومياً داخل الأسرة، من خلال اللغة والعادات والروايات والتقاليد التي تنتقل بين الأجيال وتشكل الوعي الجمعي للمجتمع. ومن هنا، فإن الاستثمار في الثقافة والتراث هو في جوهره استثمار في الأسرة والمجتمع ومستقبل الأجيال القادمة». وفيما يتعلق بمساهمة المبادرات الموجّهة للأسرة في تعزيز الاستقرار المجتمعي على المدى الطويل ودعم التنمية الوطنية، أوضح المبارك: تؤدي المبادرات الموجهة للأسرة دوراً محورياً في بناء مجتمعات أكثر تماسكاً واستقراراً، من خلال تعزيز الروابط الإنسانية وترسيخ الشعور بالانتماء، والحفاظ على استمرارية الحوار والتواصل بين الأجيال. مبيّناً: تتشارك العائلات التجارب الثقافية في المتاحف والمواقع التراثية والمهرجانات والفعاليات المجتمعية، تصبح الثقافة جزءاً حياً من الحياة اليومية وتجربة جماعية تُعاش وتُتوراث، وليست مجرد نشاط موسمي أو مفهوم نظري. ومن هذا المنطلق، تحرص أبوظبي على تقديم برامج ثقافية ومجتمعية متكاملة على مدار العام، تشمل مهرجانات وورش عمل وتجارب تفاعلية مخصّصة للعائلات، بما يعزّز حضور الثقافة في الحياة اليومية ويجعلها أكثر قرباً وشمولاً لجميع فئات المجتمع. وأضاف: تسهم الفعاليات العائلية والاحتفالات التراثية في جمع الأجيال المختلفة ضمن مساحة مشتركة تحتفي بالقيم الإماراتية الأصيلة، وتوفر فرصاً للتعلّم والتبادل الإنساني وتعميق الروابط الاجتماعية. وتنعكس هذه التجارب المشتركة بصورة مباشرة على جودة الحياة والرفاه المجتمعي، بما يدعم التنمية المستدامة على المدى الطويل. مشيراً: في جوهرها، تؤكد هذه المبادرات أنّ التنمية الحقيقية لا تقوم على الاقتصاد والبنية التحتية فقط، بل على بناء مجتمعات مترابطة يشعر أفرادها بالانتماء والمسؤولية المشتركة، ويتمتعون بعلاقة راسخة بثقافتهم وهويتهم الوطنية. وتابع المبارك: إنه في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، تزداد أهمية الحفاظ على التقاليد الإماراتية التي شكّلت عبر الأجيال جوهر الهوية الوطنية وروح المجتمع الإماراتي. وتبقى قيم الكرم، والتمسك باللغة العربية، والترابط الأسري، وثقافة المجالس، من أبرز الركائز التي تحفظ استمرارية الهوية وتعزّز شعور الأجيال الجديدة بالانتماء. منوّهاً: تُمثّل عناصر ثقافية أصيلة مثل فن العيّالة، وحرفة التلي، وشعر التغرودة، وتقاليد الصقارة، أكثر من مجرد موروثات تراثية، فهي تعبيرات حيّة عن الذاكرة الجماعية والقيم التي تميّز المجتمع الإماراتي وتعكس عمق خصوصيته الثقافية. وأكد المبارك، أن ما يمنح هذه التقاليد قيمتها الحقيقية، هو استمرار ممارستها وانتقالها بصورة طبيعية بين الأجيال كجزء من الحياة اليومية، وليس فقط بوصفها عناصر تراثية تُوثّق أو تُعرض. مشدداً، أن دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي تواصل جهودها لصون هذا الإرث الثقافي وحمايته، من خلال دعم تسجيل عناصر التراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو، وتمكين الحرفيين، وإطلاق برامج تدريبية وتطويرية تسهم في استدامة هذه الممارسات الثقافية للأجيال القادمة. فنحن نؤمن بأن الحفاظ على الثقافة لا يرتبط بحماية الماضي فقط، بل بصناعة المستقبل أيضاً. وحول ثقافة المجالس والتجمعات العائلية والاحتفالات الجماعية ودورها في المجتمع الإماراتي، قال المبارك: «لا تزال المجالس والتجمعات العائلية تُمثّل جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي في دولة الإمارات، لما توفره من مساحة حقيقية للحوار والتواصل وتعزيز الروابط الإنسانية بين الأجيال. فالمجلس لم يكن يوماً مجرد مكان للقاء، بل شكّل عبر التاريخ منصة للتشاور وتبادل الخبرات وترسيخ قيم الاحترام والتكافل والانفتاح على الآخرين، بما يعزّز الشعور بالانتماء ويقوّي العلاقات داخل الأسرة والمجتمع». وأضاف: في عالم سريع التغيّر، تكتسب هذه التقاليد أهمية أكبر، لأنها توفر شعوراً بالاستقرار والتواصل الإنساني الحقيقي. فمن خلال اللقاءات العائلية والاحتفالات الجماعية، تنتقل القيم والعادات والقصص بصورة طبيعية بين الأجيال، بما يحافظ على الهوية الثقافية ويعزّز التماسك المجتمعي. وتسهم هذه التجمعات في ترسيخ ثقافة التعاطف والمسؤولية المشتركة، وتوفر بيئة اجتماعية داعمة تعزّز جودة الحياة والانسجام المجتمعي. ولهذا، تبقى المجالس رمزاً حياً للقيم الإماراتية الأصيلة، ودورها لا يرتبط بالماضي فقط، بل يمتد ليظل جزءاً أساسياً من بناء مجتمع متماسك وواثق بالمستقبل. وفيما يتعلق بضمان استمرار انتقال القيم والهوية الثقافية إلى الأجيال الجديدة في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، بيّن المبارك: «لا ينبغي النظر إلى التكنولوجيا باعتبارها تحدياً للهوية الثقافية بقدر ما تمثّل فرصة جديدة لتعزيزها بطرق أكثر قُرباً وتأثيراً لدى الأجيال الشابة. فلكل جيل أدواته ووسائله، والأهم هو كيفية توظيف هذه الأدوات بوعي ومسؤولية للحفاظ على القيم وتعزيز التواصل داخل الأسرة». مضيفاً: عندما تتمكن العائلات من استخدام التكنولوجيا لمشاركة القصص والتقاليد والتجارب الثقافية، فإنها تفتح مساحات جديدة للحوار والتفاعل والاستمرارية. كما أن دمج التراث بالابتكار يسهم في تقديم الثقافة بصورة أكثر ارتباطاً بحياة الشباب واهتماماتهم اليومية. وقال: «في أبوظبي، تحرص المؤسسات الثقافية والجهات المختصة عند تنظيم المهرجانات على تصميم تجارب تفاعلية تجمع العائلات بمختلف أجيالها، عبر أنشطة تمزج بين الثقافة والتعليم والتقنيات الحديثة، بما يوفّر فرصاً للتعلّم والتواصل وتعميق الشعور بالانتماء». مختتماً: أتمنى أن يبقى الشعور بالانتماء، والاعتزاز بالإرث الثقافي، والارتباط بتاريخ الدولة ومسيرة قيادتها الحكيمة، جزءاً أصيلاً من وعي الأجيال المقبلة، بما يعزّز قدرتها على مواصلة البناء والتقدم بثقة ووعِ بجذورها.



إقرأ المزيد