بناء الكفاءات الوطنية في عصر الإعلام الرقمي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في خِضمِّ التحولات المتسارعة التي يعيد بها الفضاء الرقمي تشكيل ملامح التأثير العالمي، لم يَعُد الإعلام مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل تحوّل إلى قوة استراتيجية تسهم في صناعة الوعي العام، وترسيخ الهوية الوطنية، وانطلاقاً من هذه المعادلة المتغيرة، تبنّت دولة الإمارات العربية المتحدة رؤية مستقبلية تؤمن بأن التكنولوجيا، مهما بلغت مستويات تطورها، تظل مرهونة بكفاءة الإنسان وقدرته على توظيفها بوعي ومسؤولية، عبر إعداد كفاءات وطنية تمتلك أدوات المستقبل وتقود التحول الرقمي بكفاءة وثقة واستدامة. ويشهد الإعلام الرقمي تحولات متسارعة مدفوعة بتطور مفاهيم ونظريات الاتصال الحديثة من جهة، وبالتقدم التقني المتنامي من جهة أخرى، وفي مقدمة ذلك تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي أحدثت تحولاً جذرياً في صناعة المحتوى المرئي والمكتوب، من خلال تسريع عمليات الإنتاج، وخفض التكاليف، ورفع كفاءة التحليل الرقمي لاهتمامات الجمهور وسلوكياته، الأمر الذي جعل الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية في إعادة تشكيل مستقبل الإعلام، وتعزيز قدرته على التأثير وصناعة الرأي العام. وكعادتها في استشراف المستقبل وصناعة نماذج التنمية المستدامة، أولت دولة الإمارات اهتماماً بالغاً ببناء الكفاءات الوطنية في قطاع الإعلام الرقمي، انطلاقاً من كونه قطاعاً استراتيجياً يرتبط بالأمن الفكري والثقافي، ويسهم في تعزيز الصورة الذهنية للدولة وترسيخ حضورها عالمياً. ويُعد إعداد أجيال تمتلك المهارات التقنية المتقدمة، والوعي الوطني، والقدرة على إنتاج محتوى مهني ومسؤول ومتوازن، استثماراً استراتيجياً طويل الأمد يعكس قيم الدولة وهويتها الحضارية، ويعزّز مكانتها وتأثيرها في المشهد الإعلامي الدولي والإقليمي المتغير باستمرار. وقد جسّدت دولة الإمارات رؤيتها تلك عبر منظومة من المبادرات النوعية التي تقودها الهيئة الوطنية للإعلام بالتعاون مع المؤسسات الاتحادية والمحلية، بهدف تمكين المواهب الوطنية ودمجها في مستقبل الإعلام الرقمي. ومن أبرز هذه المبادرات برنامج «إعلاميين» بالشراكة مع برنامج «نافس»، والذي يهدف إلى دمج الكفاءات الشابة في المؤسسات الإعلامية العالمية، إضافة إلى برنامج «أول إصدار» الداعم للمواهب في مجالات صناعة المحتوى والكتابة الرقمية، ومبادرة «خبراء الإعلام» التي تُعنى بتطوير مهارات المبدعين والمؤثّرين. كما يواصل مجلس دبي للإعلام جهوده لإعداد جيل إعلامي قادر على مواكبة التحولات الرقمية، من خلال مبادرة «تعهد المواهب الإعلامية الإماراتية» التي توفر فرص تدريب ميداني داخل المؤسسات الإعلامية، كذلك تبرز مبادرة «أنت السند» التي أطلقتها مدينة الشارقة للإعلام كنموذج داعم لتمكين الشباب وتعزيز مشاريعهم الإعلامية الرقمية. ولا تقتصر الجهود الإماراتية على التأهيل المهني، بل تمتد إلى ترسيخ منظومة متكاملة للمسؤولية الرقمية والحوكمة الإعلامية، عبر مبادرات تسهم في رفع جودة المحتوى وتعزيز الممارسات المهنية، مثل نظام «تصريح مُعلِن» لتنظيم نشاط الإعلانات الرقمية للمؤثرين، ودليل «بوصلة الإعلام»، وحملة «معايير المحتوى الإعلامي»، إضافة إلى منصة «آمن» التي تتيح للمجتمع الإسهام في رصد المحتوى المخالف وتعزيز بيئة إعلامية موثوقة. وعلى الصعيد الأكاديمي، تواصل الجامعات والمؤسسات التعليمية حكومية وخاصة تطوير برامجها، بما ينسجم مع متطلبات الثورة الرقمية، من خلال طرح تخصصات الإعلام الحديث والاتصال الرقمي وفق المعايير العالمية. ويبرز في هذا الإطار إطلاق جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية برامج متخصصة في الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى، بالإضافة إلى تطوير جامعة الشارقة لمسارات التصميم الإعلامي الرقمي، والشراكات التي تعقدها أكاديمية الإعلام الجديد في دبي لتقديم دبلومات تنفيذية متقدمة في الاتصال الحكومي الرقمي، إلى جانب «منحة الشيخ محمد بن زايد في جامعة نيويورك أبوظبي»، في عدة تخصصات منها الأفلام والإعلام الجديد، و«منحة محمد بن راشد لطلبة الإعلام الإماراتيين» الهادفة إلى دعم التأهيل الأكاديمي والتقني. تواصل دولة الإمارات ترسيخ ريادتها في بناء الكفاءات الوطنية القادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في عصر الإعلام الرقمي، عبر الاستثمار المستدام في الإنسان وتمكين الشباب من أدوات التكنولوجيا الحديثة وصناعة المحتوى المبتكر. وبفضل رؤيتها المستقبلية ونهجها القائم على الابتكار، تمضي الإمارات نحو تعزيز حضورها المؤثر في المشهد الإعلامي العالمي، وصناعة خطاب إعلامي وطني يعكس قيمها الوطنية، ويواكب المتغيرات العالمية بكفاءة تعزّز تنافسيتها وريادتها في مجالات الإعلام الرقمي الحديث.

*صادرة عن  مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 
 
 



إقرأ المزيد