جريدة الإتحاد - 5/27/2026 11:20:32 PM - GMT (+4 )
يعيش العقل العربي والمسلم منذ قرون طويلة على تماسّ مع سؤال جوهري يتصل بعلاقته مع الشريعة، وحدود الفهم الإنساني للنص الديني، وإمكانات التجديد في قراءة الأحكام واستيعاب تحولات العالم. وقد ظلّ الاجتهاد عبر التاريخ الإسلامي أحد أبرز تجليات الحيوية الحضارية، إذ مثّل الأداة التي عبرت بها الشريعة نحو الوقائع المتغيرة، وتحولت من مجرد نصوص محفوظة إلى منظومة قادرة على تنظيم الاجتماع الإنساني ومواكبة تطوراته المتلاحقة. وفي هذا السياق، يبرز استئنافُ النظر العقلي في الشريعة بوصفه قضيةً حضاريةً كبرى تتصل بمستقبل المجتمعات المسلمة، وبقدرة المسلمين على استعادة فاعليتها المعرفية.
لقد ارتبط الإسلام في لحظته الأولى بفكرة النظر والتدبر وإعمال الفكر، فالوحي لم يتوجه إلى الإنسان بوصفه كائناً مقلِّداً، وإنما باعتباره ذاتاً عاقلة تمتلك القدرةَ على الفهم والاستنباط والتمييز. ومن هنا نشأ الاجتهادُ باعتباره جهداً عقلياً يسعى إلى استكشاف الحكم الشرعي في الوقائع المستجدة، مستنداً إلى القيم والمقاصد الكبرى للشريعة، وإلى الوعي بتطور الأوطان والمجتمعات وتحولاتها. وقد شهدت القرون الأولى اتساعاً في دائرة الاجتهاد، خصوصاً مع اتساع المجتمعات المسلمة وتنوع البيئات والثقافات، فظهرت المدارس الفقهية والعقَدية، وتكوّنت المذاهب الكبرى بوصفها محاولات عقلية لفهم النص وتنزيله على الواقع.
غير أن التحول الخطير وقع حين انتقل العقل المسلم من حيوية الاجتهاد إلى سكون التقليد، فجرى التعامل مع اجتهادات الأسلاف بوصفها حقائق مكتملة ونهائية، وتراجع حضور العقل النقدي لصالح استعادة التراث كما هو، ضمن سياقات معاصرة مختلفة تماماً عن سياقات تشكله الأولى. وهنا بدأت أزمة العقل المعاصر، إذ أصبح المسلم يعيش بأسئلة عصره داخل أجوبة عصور سابقة، بينما كانت الحياة الإنسانية تتحرك بسرعة هائلة في ميادين العلم والسياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية.
وقد أدرك عدد من العلماء والمفكرين العرب المعاصرين خطورةَ هذه القطيعة مع الاجتهاد، فرأوا أن تعطيل العقل يعني تعطيل القدرة الحضارية للمجتمعات المسلمة، وأن استئناف النظر العقلي يمثل المدخل لأي مشروع ثقافي وحضاري جديد. وتتجلى أهمية الاجتهاد اليوم في أن النصوص التأسيسية محدودة من حيث العدد، في حين أن الوقائع الإنسانية متدفقة ومتجددة بصورة دائمة. والعالَم المعاصرُ يطرح أسئلةً لم تعرفها البيئاتُ القديمة، من قضايا الدولة الوطنية والعلاقات الدولية، وقضايا البيولوجيا والطب الحيوي، إلى قضايا الاقتصاد والذكاء الاصطناعي.
ومن ثم، فإن استئناف النظر العقلي في الشريعة لا يعني التحررَ من الثوابت القيمية والمبادئ الأخلاقية، وإنما الانتقالَ من القراءة الجامدة إلى القراءة المقاصدية التي تستوعب روحَ الشريعة وأهدافَها الكبرى في حفظ الإنسان والأوطان، والمصالح العامة. وقد أسهم علم المقاصد، منذ مؤسسه الشاطبي، في ترسيخ هذا الاتجاه، حين جعل المصلحةَ والاجتهادَ من المبادئ المؤسِّسة للفهم الفقهي. وفي ضوء هذا التحول، يغدو الاجتهادُ فعلاً معرفياً متجدداً، يتجاوز مجرد استدعاء الآراء القديمة نحو إعادة بناء أدوات التفكير ذاتها. فالقضية لم تعد مرتبطة بالفروع وحدها، وإنما تمتد إلى مناهج النظر وقواعد الاستنباط وآليات فهم الواقع.
وقد تنبّه محمد عابد الجابري إلى هذه المسألة حين دعا إلى إعادة تأصيل الأصول وتجديد منهجية التفكير في الشريعة بما ينسجم مع معارف العصر وتحولاته. فالأصول الفقهية، بوصفها قواعد للتفكير، نشأت ضمن شروط تاريخية محددة، بينما يفرض العصر الراهن شروطاً جديدة تستدعي وعياً أكثر انفتاحاً على العلوم الإنسانية والاجتماعية والفلسفية.
وعلى هذا الأساس، فإن استئناف النظر العقلي في الشريعة يمثل استعادةً للروح الحضارية، تلك الروح التي صنعت ازدهاراً في مدن وأوطان المسلمين، وأنتجت حراكاً معرفياً واسعاً في الفقه والفلسفة والعلوم. فالأمم تتجدد بقدرتها على الإنتاج الفكري، وتتقدم حين يتحول العقل إلى شريك في صناعة المعنى، وحين يغدو الدِّينُ أفقاً أخلاقياً يثري الإنسانَ ويهذب العمران.
وهكذا يبقى الاجتهاد وعداً دائماً بانبعاث العقل من سباته، وبعودة الشريعة إلى فضائها الرحب، شريعةً تعانق الزمن، وتفتح للإنسان أبواب الحكمة، وتمنح الحضارةَ العربية والإسلامية قدرةً متجددة على الإسهام في صناعة المستقبل.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


