جريدة الإتحاد - 5/27/2026 11:36:16 PM - GMT (+4 )
دخل المفاوضاتُ الأميركيةُ الإيرانيةُ مرحلةً دقيقة، قد يخرج منها تفاهم مؤقت، وقد تتعثر عند التفاصيل، غير أن ما يعني الخليج يتجاوز لحظةَ التوقيع.
فالثقة بأي اتفاق لا تُبنى على النص وحده، وإنما على قدرته على تغيير السلوك الإيراني، وتقديم ضمانات واضحة لأمن الخليج وحرية الملاحة واحترام سيادة الدول. دول الخليج العربية ليست ضد التفاوض، فخفضُ التصعيد مصلحةٌ إقليمية ودولية، وفتح مضيق هرمز ضرورةٌ للاقتصاد العالمي، واستقرارُ أسواق الطاقة مطلبٌ للجميع. لكن التجربة مع طهران تجعل الحذرَ واجباً. فهي اعتادت أن تفاوض وتحتفظ في الوقت نفسه بأدوات الضغط، من البرنامج النووي إلى الصواريخ والوكلاء وأمن الملاحة.
لذا لا يكفي أن يكون الاتفاق مقنِعاً في واشنطن، إذا لم يكن مطمئناً لمَن يعيشون في جوار إيران الجغرافي. المشكلة في الاتفاق المحتمل أنه يبدو أقرب إلى إدارة التصعيد منه إلى تسوية نهائية. واشنطن تريد فتح هرمز، واحتواء الخطر النووي، وتهدئة الأسواق، وإيران تريد المال والنفط والوقتَ وتخفيفَ الضغط، مع تأجيل الملفات الأصعب. وهنا تظهر فجوة الثقة، فالتعهد بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي خطوة مهمة، لكنها لا تكفي إذا بقي مخزون اليورانيوم عالي التخصيب موضعَ مساومة مؤجلة. وفتح المضيق خطوةٌ مطلوبة، لكنه لا يكفي إذا احتفظ النظام الإيراني بحق تفسير الملاحة وفق منطق النفوذ والرسوم المقنّعة.
مضيق هرمز ليس ورقة تفاوض إيرانية، بل هو شريان عالمي للطاقة والتجارة، وأي محاولة لتحويل حرية المرور فيه إلى مسألة خدمات ملاحة أو حماية بيئية.. تحتاج إلى قراءة دقيقة. وإذا كان الدفع شرطاً للمرور، فنحن أمام نفوذ سيادي مقنّع، أما إذا كانت الخدمات فنية واختيارية ومنظمة دولياً، فذلك شأن مختلف.
الخليج يعرف هذا الفارق جيداً، لأن كلفة الغموض في هرمز تدفعها المنطقة قبل غيرها.ويبقى ملف الوكلاء حاضراً في أي قراءة خليجية للاتفاق، فأي تفاهم يتجاهل لبنان والعراق واليمن وشبكات النفوذ الإيرانية سيعالج جزءاً من الأزمة ويترك جزأها الأخطر قائماً. طهران لا تفصل بين التفاوض وبين أدواتها الإقليمية، وهي ترى نفوذَها خارج الحدود امتداداً لأمنها ومكانتها. أما دول الخليج العربية فتنظر إلى الأمن من زاوية الدولة الوطنية، واحترام السيادة، والتنمية، واستقرار المؤسسات. هنا جوهر الخلاف، لأن المسألة ليست بنداً في اتفاق، وإنما سلوك إقليمي مستمر. كما أن دول الخليج العربية معنية بألا يُختزل أمنها في تفاهم ثنائي بين واشنطن وطهران. فالمنطقة ليست ساحة هامشية تدفع كلفةَ الاتفاقات بعد توقيعها.
وأي ترتيب جاد يجب أن يأخذ في الاعتبار مصالح دول الخليج العربية، وحقها في أمن مستقر، وملاحة مفتوحة، وجوار لا يستخدم التفاوضَ لانتزاع مكاسب ثم العودة إلى الضغط. الموقف الإماراتي يقوم على الحلول السياسية، وحماية التجارة العالمية، وخفض التصعيد. لكنه لا يفصل الدبلوماسية عن الردع، ولا يمنح الثقة من دون ضمانات قابلة للتحقق. هذه قراءة دولة تعرف أن الاستقرار لا يُبنى على النوايا وحدها، وأن الحزم الهادئ هو الطريق الأقدر على حماية المصالح وتجنب التصعيد.
الإمارات قوية بقيادتها ومؤسساتها واقتصادها وثقتها بنفسها، لذا فهي تتعامل مع الأزمات بثبات، من دون تردد في حماية السيادة، ومن دون إغلاق أبواب السياسة عندما تخدم الاستقرار. هذا هو الخط الإماراتي الذي يميّز الحزم عن التصعيد، ويميّز الدبلوماسية عن التساهل. قد ينجح الاتفاق في وقف النار وفتح نافذة تفاوض جديدة، وهذا أمر مطلوب.. لكن الثقة الخليجية لن تُبنى على إعلان سياسي، وإنما على ما ستفعله إيران في اليوم التالي، فقيمة الاتفاق تظهر في التطبيق، أما السلوك فيختبر المستقبل.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


