جريدة الإتحاد - 5/30/2026 11:15:10 PM - GMT (+4 )
يجب مواجهة احتكار قطاع الأغذية الأميركي، وهو قطاع استغل ممارسات الاحتكار لقلة مهيمنة لأكثر من قرن. وهناك صدمة في الأسعار مع اشتداد موسم الشواء الصيفي، حيث ارتفع سعر لحم البقر للغاية، وسيبلغ سعر شريحة لحم الخاصرة المشوية أكثر من 14 دولاراً للرطل الواحد، في المتوسط، وفقاً لمكتب إحصاءات العمل، بزيادة قدرها 20% عن العام الماضي.
وخلال الشهر الحالي، درس الرئيس دونالد ترامب خطة لخفض الرسوم الجمركية على لحوم البقر من بعض الدول، مثل الأرجنتين، بهدف خفض الأسعار، لكنه أوقفها. إلا أن تلك الخطوات لن تكون كافية لمعالجة المشكلة الأساسية، التي تكمن في سيطرة قطاع شديد الاحتكار على إمدادات اللحوم غالبية القرن الماضي. وفي عام 2025، مر أكثر من 45% من إجمالي الماشية الأميركية عبر 11 مصنعاً فقط لتجهيز اللحوم، بينما باعت أكبر أربع شركات تعبئة ما بين 80 و85% من إجمالي لحوم الأبقار المحلية في عام 2024.
وفي مارس الماضي، قدم السيناتور تشاك شومر، زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، مشروع قانون لتفكيك شركات تعبئة لحوم الأبقار المهيمنة، وأعلنت إدارة ترامب، التي لطالما أبدت تحفظاً تجاه تطبيق القوانين التنظيمية ضد الشركات الكبرى، مؤخراً تحقيقات في شركات تعبئة لحوم الأبقار، إضافة إلى شركات تجهيز البيض التي رفعت الأسعار بشكل حاد خلال تفشي إنفلونزا الطيور، وذلك للاشتباه في انتهاكها لقوانين مكافحة الاحتكار.
غير أن هذه التحقيقات لن تكون ذات جدوى ما لم تتبعها إجراءات قانونية صارمة. ويُعد مشروع قانون شومر من الحلول الهيكلية النادرة التي يمكن أن تحظى بدعم من الحزبين.
ويتسم قطاع الغذاء الأميركي بأكمله بدرجة كبيرة من الاحتكار والهشاشة. ففي عام 2020 استحوذت شركتان فقط على نصف مبيعات الخبز الطازج، وفي عام 2022 سيطرت شركتان أخريان على نحو ثلثي سوق حليب الأطفال الصناعي، بينما أنتجت شركتان ما يقارب 60% من الجزر في عام 2023. والنتيجة أن أسعار المواد الغذائية ظلت مرتفعة بعد أن ارتفعت بنحو 30% بين عامي 2019 و2025، حيث استغلت الشركات اضطرابات سلاسل التوريد الناجمة عن الجائحة لرفع الأسعار، والأهم زيادة أرباحها.
لم يكن هذا التركيز الشديد حتمياً، بل هو نتاج عقود من التقاعس عن تطبيق قوانين مكافحة الاندماجات، والتي سُنت منذ عام 1890. فمنذ عهد إدارة الرئيس دونالد ريجان، انتهجت الهيئات التنظيمية الفيدرالية، في عهد الرؤساء «الجمهوريين» و«الديمقراطيين» على حد سواء، نهجاً متساهلاً تجاه اندماج الشركات. وتبنت وزارة العدل ولجنة التجارة الفيدرالية رؤية وول ستريت بأن عمليات الاندماج تُحقق كفاءة وتُبشر بانخفاض أسعار المستهلك.
لكن ذلك كان مجرد وهماً. فكلما قل عدد المنافسين ارتفعت الأسعار في الغالب. ومع ذلك، نجحت الشركات الكبرى لعقود في الدفاع عن حجتها القائلة إن الأكبر أفضل، وهو أحد أسباب وجود مزارع الماشية الصناعية الضخمة التي تلوث المناطق الريفية الأميركية.
وقد جرت محاولات عديدة للحد من نفوذ عمالقة الغذاء. فقد وُجهت إلى شركات تجهيز اللحوم والسكر والبيض اتهامات بالتلاعب بالأسعار، ودفعت شركات غذائية كبرى تسويات قانونية ضخمة. إلا أن تطبيق قوانين الاحتكار لم يحقق النتائج المرجوة.
واحتفظت هذه الشركات العملاقة بقبضتها على الأسواق بينما واصلت استخدام الأساليب التجارية المناهضة للمستهلكين التي أتقنتها. ولا يزال المزارعون يعانون ارتفاع التكاليف وجمود أسعار محاصيلهم ومواشيهم، في حين يواجه المستهلكون وهماً بوجود خيارات متعددة مقابل أسعار أعلى.
ورغم تشكيل فريق عمل لمكافحة الاحتكار في قطاع الأغذية مؤخراً، إلا أن إدارة ترامب قلصت كثيراً قدرة الحكومة على مُواجهة شركات الأغذية، وتراجعت عن بعض الخطوات المُعتدلة لتغيير الممارسات التجارية الضارة.
لكن التوجُّه نحو تطبيق القانون تغير في عهد ترامب، حيث اقترحت وزارة العدل مؤخراً تسوية تسمح لشركة «أغري ستاتس»، تحت إشراف المحكمة، بمواصلة تسهيل تبادل المعلومات بين المنتجين في قطاعي لحوم الخنزير والدواجن، شريطة أن تنشر هذه المعلومات على نطاق أوسع، وألا تُوزع أنواعاً مُحددة من البيانات المتعلقة بالأسعار والإنتاج.
ويتعين على الحكومة اتخاذ خطوات حقيقية لكبح جماح هذه الشركات. ويُعد مشروع قانون شومر بداية جيدة. كما ينبغي للكونجرس توسيع الدعم المالي والفني للمساعدة في إنشاء منافسين جدد قادرين على منافسة شركات تجهيز اللحوم الكبرى، وهو ما سعت إليه إدارة بايدن. وللحفاظ على أسواق مفتوحة على المدى الطويل، يتعين على الجهات التنظيمية أيضاً حظر الممارسات التجارية غير العادلة التي تُستخدم لترسيخ الهيمنة السوقية والحفاظ عليها.
ومن دون إصلاحات واسعة النطاق، ستظل الحكومة والمزارعون والمستهلكون يخوضون معركة لا تنتهي ضد التكتلات الاقتصادية العملاقة. وسيواصل المستهلكون دفع أسعار مرتفعة أكثر مما ينبغي، بينما يستمر المزارعون في الحصول على عوائد أقل مما يستحقون.ومن دون تغييرات جذرية، ستُجبر الحكومة والمزارعون والمستهلكون على خوض معركة لا تنتهي ضد التكتلات التجارية. وسيواصل المستهلكون في دفع مبالغ باهظة، وسيستمر المزارعون في الحصول على عوائد زهيدة. ومن خلال تطبيق القانون، يستطيع ترامب تحقيق مكاسب للجمهور وبعض مؤيديه الأكثر ولاء. وفي حال عدم تحقيق ذلك، يجب أن يتولى الكونجرس تفكيك هذا الاحتكار مرة أخرى.
*المدير القانوني في معهد الأسواق المفتوحة، الذي يُعنى بتعزيز المنافسة الاقتصادية.
ينشر بترتيب خاص من خدمة «نيويورك تايمز»
إقرأ المزيد


