جريدة الإتحاد - 5/30/2026 11:47:18 PM - GMT (+4 )
يتزايد خطر ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة مع اتساع طفرة الذكاء الاصطناعي لتشمل قطاعات اقتصادية أوسع، متجاوزةً قطاع أشباه الموصلات، بغضّ النظر عن تباطؤ نمو الأجور والزيادة المعتدلة لأسعار المساكن، الذي كان من شأنه أن يشير عادة إلى اتجاه معاكس. وإذا استمر الإنفاق على الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة، مصحوباً بارتفاع سوق الأسهم، فلا مفرّ من تفاقم التضخم. ويمثّل هذا تحوّلاً عن العام الماضي، حين واجهت موجة التفاؤل بشأن الذكاء الاصطناعي ضعفاً في قطاعات أخرى من الاقتصاد، مما أدى إلى ديناميكية غير متوازنة.
ويؤدي إنفاق أربع شركات تكنولوجية عملاقة أكثر من 700 مليار دولار على رأس المال العام الحالي إلى خلق فائزين جُدد واختناقات جديدة مع انتشاره في الاقتصاد، إضافة إلى صدمة في إمدادات الطاقة لم تكن الشركات مضطرة للقلق بشأنها حتى قبل ثلاثة أشهر، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض للأسر والشركات. وقد استغرق توسيع نطاق الإنفاق على الذكاء الاصطناعي ثلاث سنوات. وكانت شركة «إنفيديا» المستفيد الرئيسي المباشر من إطلاق برنامج «شات دي بي تي» من شركة «أوبن إيه آي» في أواخر عام 2022، مما عزّز الطلب على رقائقها عالية الأداء وساعدها على إزاحة «مايكروسوفت» عن صدارة «مؤشر ستاندرد آند بورز 500».
ثم جاء دور مراكز البيانات حين أدركت الشركات ضخامة ما يمثّله الذكاء الاصطناعي. ومنذ ذلك، أثّر الطلب المتزايد على القدرة الحاسوبية ليطال البنية التحتية الكهربائية، ومعدات الشبكات، ومعدات توليد الطاقة. وحتى وقت قريب، كان هذا الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مصحوباً بضعف في قطاعات أخرى من الاقتصاد الصناعي. ويشهد الاستثمار السكني ركوداً منذ عام 2022، بينما وصل الإنفاق على المباني المكتبية، بعد تعديله وفقاً للتضخم، إلى أدنى مستوى له منذ 15 عاماً. وانخفض الإنفاق على البناء في قطاع التصنيع بنسبة 20% خلال الأشهر الـ18 الماضية، بعد أن أنهى الرئيس دونالد ترامب جزءاً كبيراً من دعم إدارة بايدن للصناعات الخضراء.
وأدى انخفاض أسعار النفط الخام إلى ما دون 60 دولاراً للبرميل في بداية هذا العام إلى تباطؤ قطاع النفط والغاز. ويشار إلى أن الثقة في حجم دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي قد تذبذبت في بعض الأحيان. ففي مطلع عام 2025، أثارت تقنية «ديب سيك» لفترة وجيزة إمكانية أن تسمح النماذج الأكثر كفاءةً في الحوسبة بتطوير أقل تكلفةً. كما شكّلت تعريفات «يوم التحرير»، التي طُرحت في أبريل 2025، صدمةً قصيرةً أخرى للنظام، تماماً كما فعل الشهر الأول من الحرب مع إيران. لكن القطاع فوجئ إلى حدٍّ ما بسرعة اعتماد منتجات «كلود» من شركة «أنثروبيك بي بي سي» العام الحالي، مما أدى إلى زيادة ملحوظة في خطط الإنفاق الرأسمالي.
ويبدو مستقبل الاقتصاد الصناعي الآن أكثر استقراراً مما كان عليه منذ أن بدأ الاحتياطي الفيدرالي الأميركي رفعَ أسعار الفائدة عام 2022، وذلك بفضل شركات «ألفابت» و«أمازون» و«مايكروسوفت» و«ميتا بلاتفورمز». ولا يقتصر تأثير إنفاقها المكثّف على دعم أسهم شركات أشباه الموصلات، مثل شركة «أدفانسد مايكرو ديفايسز»، وشركات تصنيع الذاكرة، بما يشمل شركة «مايكرون تكنولوجي»، بل يشمل أيضاً شركةَ معدات الطاقة «جي إي فيرنوفا»، التي شهدت نمواً في الطلبات بنسبة 71% خلال الربع الأخير من العام الماضي، مقارنة بالفترة نفسها من العام الذي سبقه، وكذلك شركة «كاتربيلر» التي ارتفعت مبيعاتها في مجال توليد الطاقة بنسبة 48%.
وفي دلالة على تغير الأوضاع، تدخل شركة «فورد موتور» مجال بطاريات الشبكات للاستفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي. كما تشير استطلاعات قطاع التصنيع إلى انتعاش ملحوظ، فقد سجّل مؤشر الطلبات الجديدة، في تقرير معهد إدارة التوريد، أداءً أقوى خلال الأشهر الأربعة الماضية، مقارنة بأي فترة منذ النصف الأول من عام 2022. ويمكن القول بإن تلك الزيادة لم تنعكس على التضخم الأساسي، الذي يستثني تقلبات أسعار الطاقة والغذاء.
وقد عكست القراءات المرتفعة نسبياً تأثيرات مؤقتة للتعريفات الجمركية وتأخرات في مؤشرات أخرى كالتضخم في أسعار المساكن. واستمر تباطؤ نمو أجور العمال، حيث بلغ أقل من 4% حالياً، وهو مستوى مشابه لما كان عليه في أواخر العقد الأول من الألفية الثانية عندما لم يكن التضخم مصدرَ قلق، كما أظهرت المؤشرات الفورية لإيجارات الشقق وأسعار المنازل تضخُّماً طفيفاً على المستوى الوطني. وذلك ما يجعل بعض البيانات الأحدث مثيرةً للقلق، فقد شهد نمو الوظائف الإجمالي انتعاشاً في عام 2026، مع زيادة عدد العاملين في قطاعات دورية مهمة كالتصنيع والبناء.
ويبدو أن نشاط سوق الإسكان يتسارع أيضاً في مايو الجاري، رغم ارتفاع معدلات الرهن العقاري، حيث تُعد ثروة سوق الأسهم أحد المصادر المحتملة لزيادة مبيعات المنازل. ووفقاً لعمير شريف، رئيس شركة الأبحاث الأميركية «إنفليشن إنسايتس»، المتخصصة في تحليل التضخم، فقد ساهمت برمجياتُ الحاسوب وملحقاتها بشكل ملحوظ في مُعامل انكماش الإنفاق الاستهلاكي الشخصي الأساسي، وهو مقياس التضخم المُفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، خلال الأشهر الخمسة المنتهية في أبريل الماضي. وأضاف أن فئة تُشكّل ما يزيد قليلاً على 1% من وزن المؤشر قد ساهمت بنحو 18% من متوسط الزيادة الشهرية في التضخم الأساسي، وأنه من المرجح حدوث المزيد من الارتفاعات، نظراً لأن فئات الذاكرة والتخزين «لا تُظهر أي مؤشر على التباطؤ».
وفي نهاية المطاف، سوف تطغى مليارات الدولارات التي تتدفق على هذه المكونات، وبناء مراكز البيانات، والمعدات الكهربائية، وتوليد الطاقة، إلى جانب تريليونات الدولارات من القيمة المُضافة في سوق الأسهم، على الضعف الدوري في سوق العمل والقطاع الصناعي خلال السنوات القليلة القادمة، وربما يكون وقت ذلك قد حان الآن.
وينبغي استكمال بعض العناصر لتتضح الصورة كاملة. حيث لا تزال معنويات سوق العمل مُترددة، وقد يؤدي تراجع حاد في أسهم التكنولوجيا إلى تباطؤ سريع في خطط الاستثمار. وإذا لم يحدث ذلك، فينبغي الافتراض بأن استمرار الإنفاق الرأسمالي وازدهار سوق الأسهم سيقضي على اختلال التوازن الاقتصادي، ويُطلق موجة تضخمية لن يستطيع صنّاع السياسات والسياسيون التظاهر بعدم وجودها.
إقرأ المزيد


