الأمن الخليجي وعمل المنظومات الإقليمية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تعيش المنطقة العربية والإسلامية لحظة دقيقة لا تسمح بخطاب مُرتجَل، ولا بقراءات حاسمة قبل اكتمال الصورة. فالأمن الإقليمي لم يَعُد شأناً عسكرياً مباشراً، ولا ملفّاً سياسياً محدوداً، بل صار شبكة واسعة تتداخل فيها السيادة بالطاقة، والموانئ بسلاسل الإمداد، والاقتصاد بالثقة الدولية، والاستقرار الداخلي بالتوازنات المحيطة.

ومن هنا، فإن أمن الخليج لم يَعُد تفصيلًا داخل المشهد العربي، بل أصبح أحد مفاتيح قراءة مستقبل المنطقة كلها. لقد أظهرت التحولات الأخيرة أن دول الخليج تقف في قلب معادلة شديدة الحساسية. فهي ليست فقط دولاً منتجة للطاقة، بل مراكز استقرار اقتصادي ومالي وتكنولوجي، وحواضن لنماذج تنموية باتت جزءاً من صورة المنطقة في العالم.

ولذا، فإن أي تهديد يتجه إلى هذا المجال لا يُصيب دولة بعينها وحدها، بل يختبر قدرة الإقليم كله على حماية مكتسباته، وضمان ممراته، وصيانة نموذجه في إدارة الدولة والتنمية والانفتاح. وهنا يبرز سؤال المنظومات العربية والإسلامية والإقليمية عموماً، بوصفه سؤالاً عن المعنى والوظيفة. هل ما زالت هذه المنظومات قادرة على التعبير عن حاجات الدول في زمن تتغير فيه طبيعة التهديدات؟ وهل تكفي الرمزية التاريخية وحدها لتمنح المؤسسةَ قدرةً على التأثير؟ أم أن المتغيرات الجديدة تدعو إلى تفكير أهدأ في آليات العمل، وحدود الفاعلية، ومجالات التنسيق؟

ليست الحكمة في إطلاق أحكام نهائية على مؤسّسات نشأت في سياقات تاريخية لها اعتباراتها، ولا في التعامل معها كأنها خارج الزمن. فهذه المنظومات حملت، في مراحل مختلفة، حاجةَ الدول إلى الحوار، وتقريب المواقف، وإدارة الخلاف، وحفظ الحدّ الأدنى من التواصل. غير أن السؤال الذي تفرضه الوقائع اليوم هو: كيف يمكن لهذه الأُطر أن تتجاوز المنطقة الرمادية التي كثيراً ما تقف فيها بين الرغبة في الحضور وصعوبة الفعل، بين لغة التضامن وقيود التوافق، بين وضوح الخطر وتعقّد الحسابات؟

إنّ المنطقة الرمادية ليست عيباً في ذاتها إذا كانت مساحة للتروّي والحكمة، لكنها تصبح إشكالاً حين تتحول إلى نمط دائم لإدارة الأزمات. فالأمن لا ينتظر طويلاً، والتهديدات العابرة للحدود لا تتعامل مع البطء المؤسَّسي، والتدخلات الإقليمية لا تُواجَه فقط بلغة عامة تصلح لكل الأزمات ولا تُسمي شيئاً بدقة. ومع ذلك، فإن تجاوز هذه المنطقة لا يكون بالانفعال، بل بتطوير أدوات أكثر مرونة، تسمح ببناء مواقف متدرّجة، وتنسيقات عملية، ومسارات دبلوماسية قادرة على حماية المصالح دون دفع الجميع إلى اصطفافات حادة.

والأمن الخليجي، في هذا السياق، يقدّم اختباراً مهمّاً لمعنى التضامن. فالتضامن ليس إعلاناً عاطفياً، ولا عبارة تُضاف إلى بيان، بل قدرة على فهم موقع الخطر، وربطه بمستقبل الدول والمجتمعات.

حين تُهدَّد الموانئ أو المطارات أو المنشآت الحيوية أو الممرات البحرية، فالمسألة لا تبقى محصورة في الجغرافيا الخليجية، بل تمتدّ إلى الأمن العربي والإسلامي والدولي، لأن استقرار الخليج جزء من استقرار الاقتصاد العالمي، ومن انتظام التجارة والطاقة والاستثمار. ومن الإنصاف القول إن الدول الحديثة، وفي مقدمتها دول الخليج، لم تَعُد تنتظر من الأطر الجماعية أن تقوم مقام الدولة في حماية أمنها أو صناعة قرارها. فالدولة تبني قدراتها، وتوسِّع شراكاتها، وتقرأ مصالحها وفق تقديرها السيادي. لكن وجود منظومات إقليمية أكثر نضجاً ووضوحاً يمكن أن يمنح هذه الجهود بُعداً إضافياً، ويحوّل التضامن من موقف معنوي إلى بيئة مساندة، ومن اللغة العامة إلى فعل دبلوماسي يُحسن التوقيت والتقدير.

المطلوب اليوم ليس طرح مصائر نهائية لهذه الكيانات، ولا اختزال النقاش في سؤال البقاء أو المغادرة، بل فتح سؤال أعمق: كيف تستعيد المنظومات المشتركة قدرتها على خدمة الدول، لا إثقال حركتها؟ كيف تُدار الخلافات دون أن تُعطّل المصالح الكبرى؟

وكيف يصبح أمن الخليج جزءاً مؤسِّساً من أي تصوّر عربي وإسلامي للاستقرار، لا ملفاً يُستحضر عند الأزمات ثم يعود إلى الهامش؟ إنّ المرحلة تحتاج إلى خطاب يزاوج بين الرصانة والوضوح، بين احترام الرمزية وطلب الفاعلية. فالمؤسَّسات لا تُقاس فقط بما تُمثّله في الذاكرة، بل بما تضيفه في لحظة الامتحان. والمنطقة، وهي تعبر هذا الزمن الحساس، تحتاج إلى منظومات لا تكتفي بالسكنى في المنطقة الرمادية، بل تعرف كيف تجعل الحكمة طريقاً إلى الفعل، لا ستاراً للتردد.

*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة.
 



إقرأ المزيد