جريدة الإتحاد - 6/2/2026 11:46:22 PM - GMT (+4 )
في عام 1945 اتخذت الولايات المتحدة الأميركية قراراً بإلقاء قنبلتها النووية الأولى على مدينة هيروشيما. ولكن قبل تنفيذ القرار وجّهت رسالة رسمية إلى الحكومة اليابانية تدعوها فيها إلى الاستسلام الكامل وغير المشروط. جاء الردّ الياباني سريعاً، وكان مكتوباً باللغة اليابانية. ووردت في رسالة الردّ كلمة تحمل أكثر من معنى، حيث قالت اليابان في الردّ إن حكومة الإمبراطور سوف «موكوساتسو إعلان بوتسدام». كلمة «موكوساتسو» تحمل معنيين: المعنى الأول هو «لا تعليق» و«التعامل بصمت»، أما المعنى الثاني فهو «قبول القتل بصمت».
أخذ الأميركيون بالمعنى الأول للترجمة، واعتبروا أن الجواب لم يكن قبولاً بالاستسلام الكامل وغير المشروط. وهو ما لم تقصده اليابان. فكانت الترجمة الخطأ.. وكان الفهم الخطأ، ثم كانت الكارثة النووية.
في ثقافة الترجمة لا تحمل كلمتان من لغتين مختلفتين معنى واحداً أو متطابقاً. ثم إن أي شعبين مختلفَي اللغة والثقافة لا يعنيان الشيء ذاته في كلمة واحدة (ربما يُستثنى من ذلك اللغة العلمية). ولذلك فإن الترجمة في حدِّ ذاتها عملٌ طوباويٌّ يعجز عن الوصول إلى المثالية في قراءة عقل الآخر، وفي الوصول إلى عمق نواياه ومقاصده. ومن هنا يمكن اعتبار المترجم إنساناً طوباوياً يسعى إلى الكمال في نقل النّص المختلف لغوياً، أو في ترجمة الرأي الآخر، دون أن يبلغ الكمال المُطلق.
في عام 1877 نشر عالِم الفضاء الإيطالي «جيوفاني شيابيرللي» دراسة عن المريخ، قال فيها بوجود مجارٍ مائية على سطح الكوكب. فتمّت ترجمت كلمة «مجاري» بأقنية مائية، وهنا وقعت الطامة الكبرى. وذلك لأن المجرى حالة طبيعية، أما القناة فحالة صناعية، لا بدّ لوجودها من صانع ينفّذها. فهل كان في المريخ مَن عمل على إقامة الأقنية؟ ومتى حدث ذلك؟ وكيف حدث؟ وقد أسفر خطأ الترجمة من «مجاري» إلى «أقنية» عن جدالات علمية انتقلت من دراسة الظاهرة المائية في حدِّ ذاتها إلى البحث عن «اليد؟» التي تولّت صناعة هذه الممرات، حتى تبيّن أخيراً أنها مجارٍ شقّتها الطبيعة ولم تكن أقنية حفرتها يدٌ عاقلة.
ولعل المحكمة التي اتُّهمت بأنها لم تحترم الحقوق الإنسانية للمترجم كانت محكمة نورمبرغ التي تولّت محاكمة رجال النظام النازي بعد سقوطه في ألمانيا. فقد نقل مترجم من أصل برازيلي يُدعى «إدواردو ماغالايس» معاناتِه وهو يجلس في صندوق الترجمة الصغير والضيّق طوال النهار، وكان لا يُمنح وقتاً للاستراحة إلا مرّة واحدة كل ثلاثة أيام.
وتروي مترجمةٌ أخرى في تلك المحكمة أن أربعة أشهُر من العمل بدت لها وكأنها عشر سنوات. ومع ذلك فإن أي خطأ في الترجمة كان يمكن أن يترك بصمات سلبية (أو إيجابية) لإدانة المتهم المعتقل أو لتبرئته.
ولعل الدولة التي منحت «المترجم» تقديراً استثنائياً، كانت الدولة العثمانية، ذلك أن المترجم فيها كان يعيَّن نائباً لوزير الخارجية.
ولعل القرآن الكريم هو أكثر الكتب ترجمةً إلى لغات العالَم المختلفة، جرت محاولات منذ بدايات الإسلام ولم تتوقف حتى اليوم لتحوير بعض الآيات عن مواضعها، ولكنها سرعان ما اكتُشفت وأُبطلت، مصداقاً لقوله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ».
*كاتب لبناني
إقرأ المزيد


