جريدة الإتحاد - 6/3/2026 12:19:13 AM - GMT (+4 )
رغم كثرة المشاهد المليئة بالدلالات والمعاني التي لامست أفكاراً كثيرة في داخلي في فيلم «الست» حول سيرة السيدة أم كلثوم؛ غير أن شيئاً فيه لم يترك في نفسي الأثر الذي تركه ذلك المشهد حين رنّ الهاتف في بيت «أم كلثوم» ليأتيها الخبر «الأمر» بأن عليها أن تحيي في اليوم التالي حفلاً لمجلس قيادة الثورة. كان لهذه اللقطة أثر لم أتمكن من عبوره حتى اللحظة!
ولفهم إرهاصات اللقطة، كان قد تم تجاهل «الست» تماماً لفترة من الزمن قرابة 3 شهور بعد ثورة الضباط، باعتبارها من المقربين من الملكية «العهد البائد». فمُنعت أغانيها من الإذاعة بعد أن كانت تتصدر ترتيبات المغنين، وتم تجاهلها في الحفلات والمناسبات، لدرجة أنها أصبحت تعاني الوحدة والمرض.
ولكن في صباح يوم 29 أكتوبر حين أمرت بإحياء الحفل بعد 24 ساعة فقط، وجدتها كيف أنها خلال هذا الوقت القصير لم تكن تستعد للعودة للمسرح، بل كانت تستعيد حقها في الوجود. لقد دفعتني تلك اللقطة وما بعدها للتفكير طويلاً في حاجة الإنسان المبدع إلى الاعتراف؛ ليس بمعناه السطحي المرتبط بالشهرة أو التصفيق، بل ذلك الأعمق الذي يؤكد أن ما يقدمه الإنسان له معنى، وأن أثره ما زال حاضراً في حياة الآخرين.
لم تشك السيدة أم كلثوم ولا للحظة بموهبتها، ورغم ذلك قهرها التجاهل وأنهكها الإهمال، وحطم نفسيتها النبذ. وهي الحقيقة التي لا يعترف بها المبدعون، فمهما بلغت الثقة التي يعتقدونها في أنفسهم وموهبتهم، تظل الحاجة إلى نافذة يطل منها إبداعهم على العالم، وإلى من يقول له إنه مرئي وما يقدمه له معنى، حاجةً أساسية لاستمرار إبداعهم، وبقائهم أحياء.
فالمرأة كادت أن تموت في منزلها وحيدة بعد أن كان حضورها يملأ الشرق. لهذه الدرجة كان التهميش مؤلماً، وهذا أكثر ما عصر قلبي في أحداث الفيلم، لأنه أعاد أمامي أسئلة طالما تجاهلتها عمداً لأتجنب ألم إجابتها، مثل إلى أي مدى نحتاج أن يعترف بنا الآخرون؟ وإلى أي درجة نحتاج أن يمنحونا مساحة من الضوء، حتى عندما نكون على يقين كامل بأننا نستحقها؟ ألهذه الدرجة يبقى الإنسان مهما بلغ من المجد هشاً أمام الاعتراف؟ وهل للمبدع قيمة في حاضره فعلاً، من دون تلك المساحة التي يمنحها له المجتمع ليقدمه؟!
لن أبحث عن إجابة عن هذه الأسئلة المؤلمة، ولكن ألا يحق لنا أن نفكر قليلاً في مصير تلك المواهب وأصحابها المبدعين.. الذين لم ترن هواتفهم أبداً!
إقرأ المزيد


