الكيمتشي لمواجهة الجزيئات البلاستيكية الدقيقة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 قد لا يكون الكيمتشي مجرد طبق كوري شهي، فبجانب مذاقه المميز وفوائده الصحية للمِعدة، تشير أبحاث أوليّة إلى أنه قد يساعد الجسم على التخلص من الجسيمات البلاستيكية النانوية، وهي جزيئات بلاستيكية متناهية الصّغر تنتج عن تحلُّل المواد البلاستيكية.
وقد ازداد الوعي بهذه الجزيئات الدقيقة خلال السنوات الأخيرة، جزئياً بسبب بعض الدراسات البارزة، رغم دحض بعضها أو انتقادها، ومن بينها دراسة زعمت وجود ما يعادل ملعقة كاملة من البلاستيك في أدمغتنا. ورغم مبالغة الباحثين في تقدير كمية البلاستيك في البيئة بسبب تلوث العينات عن طريق الخطأ بقفازات المختبر البلاستيكية، إلا أنه ليس هناك شك في أننا نستنشق ونبتلع باستمرار جزيئات البلاستيك الدقيقة التي لا بدّ أن تذهب إلى مكان ما داخل البيئة وأجسامنا.
وفي دراسة أجراها باحثو «المعهد العالمي للكيمتشي» في جمهورية كوريا الشقيقة، تبيّن أن إحدى السلالات البكتيرية المستخلصة من الكيمتشي استطاعت امتصاص الجسيمات البلاستيكية النانوية بكفاءة أكبر من سلالة أخرى في ظروف مخبرية تُحاكي الأمعاء البشرية. كما أظهرت تجارب على الفئران أن الحيوانات التي تلقّت هذه البكتيريا طرحت عبر الفضلات أكثر من ضعف كمية الجسيمات البلاستيكية مقارنة بغيرها، ما يشير إلى أن هذه البكتيريا النافعة قد تساعد الجسم على التخلص من بعض الملوثات.
إلا أن تلك النتائج لا تزال أوليّة وغير حاسمة. وحتى لو ثبت أن الكيمتشي قادر على طرد كل الجسيمات البلاستيكية المختبئة في أجسامنا، فستبقى المشكلة في الجزيئات الموجودة في البيئة المحيطة بنا. فدراسة حديثة أخرى خلصت إلى أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة الموجودة في الهواء تسهم، ولو بدرجة محدودة، في زيادة الاحترار العالمي، إذ أن أغلب تلك الجسيمات داكنة اللون أو تصبح داكنة بمرور الوقت، ما يجعلها تمتص حرارة الشمس.
وترتبط مشكلة البلاستيك عادة بالمحيطات، لأن الأبحاث الأولية بدأت من الشواطئ، حيث اكتشف ريتشارد طومسون، أستاذ علم الأحياء البحرية في جامعة بليموث ومُبتكر مصطلح «البلاستيك الدقيق»، نفايات بلاستيكية على طول الساحل، ثم وجد لاحقاً جسيمات أصغر منتشرة في الرمال وقاع البحر. ومنذ ذلك الحين، بات العالم يعرف «بقعة النفايات الكبرى» في المحيط الهادئ بين كاليفورنيا وهاواي، كما بات واضحاً أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة تتراكم داخل المأكولات البحرية.
وهناك أيضاً مشكلة التربة، إذ تشير التقديرات إلى أن تربة الأرض التي نسير عليها تحتوي على كمية من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة تفوق ما يحتويه المحيط، لاسيما الأراضي الزراعية. ويُقدِّر الباحثون أن ما بين 31 ألفاً و42 ألف طن متري من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة تُضاف إلى التربة الأوروبية سنوياً عبر إعادة تدوير مياه الصرف الصحي.
وتصل تلك الجزيئات إلى التربة عبر مياه الصرف الصحي، المليئة بجزيئات بلاستيكية دقيقة. وتُعد إطارات السيارات جزءاً كبيراً من المشكلة، فهي تتآكل أثناء القيادة، ثم تُغسل أجزاؤها في نظام الصرف الصحي مع هطول الأمطار. كما تُعتبر الملابس مصدراً رئيسياً آخر، حيث يُصنع 70% من الملابس من ألياف صناعية مثل البوليستر والإيلاستين، والتي تُطلق أليافاً دقيقة أثناء تصنيعها وارتدائها وغسلها. كذلك تُعد الفضلات البشرية أيضاً مصدراً للجزيئات البلاستيكية الدقيقة، ويزيد من ذلك تناول الكيمتشي إذا صحت الدراسة الكورية.
ورغم أن محطات المعالجة نجحت نسبياً في إزالة كثير من الجسيمات البلاستيكية من مياه الصرف، فإن المخلّفات المتبقية تُستخدم غالباً كأسمدة زراعية، ما يؤدي إلى إعادة إدخال البلاستيك إلى التربة، وينتهي المطاف بـ 80% منه في الأراضي الزراعية في المملكة المتحدة. وأجرت دراسة لمعهد جيمس هاتون تحليلاً لعينات تربة محفوظة من تجربة معالجة مياه الصرف الصحي، التي استمرت بين عامي 1994 و2019. ووجدت الدراسة أنه بعد أربع سنوات فقط من استخدام تلك المياه، ارتفعت مستويات الجزيئات البلاستيكية الدقيقة في التربة بنسبة تصل إلى 1450%. كما وجد الباحثون أنه حتى بعد توقف استخدام مياه الصرف الصحي في تسميد الأراضي، ظلت مستويات الجزيئات البلاستيكية الدقيقة ثابتة لأكثر من عقدين، وما زالت مستمرة.
لا يزال البحث في مجال الجسيمات البلاستيكية الدقيقة حديثاً نسبياً، إذ يبلغ عمره 22 عاماً فقط، وما زلنا نكتشف تأثير الجسيمات البلاستيكية على التربة والمحاصيل. إلا أن المعلومات المتوافرة حالياً مثيرة للقلق، فقد تُلحق المواد البلاستيكية الضرر ببنية التربة، وتُقلل من توافر العناصر الغذائية، وتؤثّر على نمو المحاصيل، وتُقلل من إنبات البذور. وكما هو الحال مع التعرضات الأخرى للجسيمات البلاستيكية الدقيقة، فإن أبرز المخاوف هو التنوع الكبير في المواد الكيميائية السامة التي يمكن أن تتسرب إلى أجسام البشر وغذائهم وتربتهم. وقد وُجدت هذه الجسيمات أيضاً في الفواكه والخضراوات، مما يُشير إلى ظهور دورة بلاستيكية لا تنتهي.

فما الذي يمكن فعله؟ هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم الآثار الصحية والبيئية لهذه الجسيمات على نحو أفضل. كما ينبغي إيجاد وسائل لتحويل جزء من اللدائن الدقيقة إلى مواقع تخزين أكثر أماناً. فعلى سبيل المثال، أصدرت فرنسا قانوناً يُلزم بتزويد الغسالات بمرشحات خاصة لالتقاط الألياف الدقيقة. ويجري حالياً إعداد تشريع مماثل في المملكة المتحدة. ومن شأن هذه المرشحات أن تحِدَّ من كمية الألياف الدقيقة التي تنتهي في مياه الصرف الصحي، وبالتالي تقلل وصولها إلى الأراضي الزراعية.
وسيكون من الأفضل لو أن المنتجات البلاستيكية نفسها كانت أقل قابلية للتآكل والتفتت. ففي مارس الماضي، اعتمدت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا حدوداً جديدة لمعدلات تآكل إطارات السيارات، ستدخل حيز التنفيذ اعتباراً من عام 2028. ورغم تردّد صناعة السيارات في البداية، إلا أنها تعاونت في نهاية المطاف بشكل وثيق مع الحكومات والخبراء المستقلين لوضع معايير الاختبار اللازمة. لكن جوهر القضية يظل مرتبطاً بمشكلة البلاستيك نفسها، إذ أن أفضل وسيلة لمواجهة اللدائن الدقيقة، هي ببساطة تقليل استخدام البلاستيك من الأساس. وهذا أمر لا يستطيع الكيمتشي، مهما تناولنا منه، أن يساعدنا على تحقيقه.


*كاتبة متخصصة في قضايا تغير المناخ.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد