لندن .. بعد عقد من «بريكست»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

بعد عقد من التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والذي يطلق عليه «بريكست»، يبدو القطاع المالي في قلب لندن بحالة جيدة. فعندما اختارت بريطانيا مغادرة الاتحاد الأوروبي، سادت مخاوف من أن تفقد لندن دورها المحوري في القطاع المصرفي العالمي. لكن في الحقيقة، يصعب تحديد أي خسائر واضحة للقطاع ناجمة مباشرة عن إلغاء الاتفاقيات التي ساهمت في ضمان مكانة لندن كالمركز المالي الأبرز في القارة.

ولم تشهد المدينة موجة نزوح جماعية للمتداولين والمصرفيين وصناع الصفقات إلى فرانكفورت أو ميلانو أو باريس. بل على العكس، شهد العقد الماضي تعاظم نفوذ البنوك الأميركية الكبرى في التمويل العالمي، وهو تطور لا يمكن إرجاعه إلى «بريكست» وحده. وحتى نيويورك لم تحقق مكاسب واضحة على حساب لندن. والحقيقة أن انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي ليس سوى واحد من عوائق عدة حالت دون تمكن البنوك وأسواق المال الأوروبية من بلوغ الحجم والنفوذ اللازمين للمنافسة عالمياً.

ولا شك أن هناك أسباباً تدعو للقلق بشأن القطاع المالي البريطاني، أبرزها التراجع المحرج في عدد الشركات الجديدة المدرجة في سوق الأسهم. كما أن الخروج من الاتحاد الأوروبي ألحق ضرراً مؤكداً بالاقتصاد البريطاني بأكمله، وهو ما انعكس بصورة غير مباشرة على الاستثمار والقطاع المالي.

لكن القضية الأكثر أهمية لطالما كانت الوظائف والضرائب التي يديرها العاملون في القطاع المالي. وفي هذا الجانب تحديداً، لا تبدو الصورة سيئة على الإطلاق. وسبقت بعض التوقعات المتطرفة انتخابات يونيو 2016، فقد زعم كزافييه روليه، الرئيس التنفيذي آنذاك لمجموعة بورصة لندن، أن أكثر من 200 ألف وظيفة ستكون مُهددة، بينما قدر آخرون الرقم بين 75 ألفاً و100 ألف. لكن العكس قد حدث، فقد ارتفع عدد الوظائف في قطاعي التمويل والتأمين في لندن بشكل مطرد عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008.

وأضاف القطاع أكثر من 67 ألف وظيفة في العاصمة منذ نهاية 2016. وحافظت لندن على مكانتها كمركز مالي دولي رائد في العديد من أدوارها التقليدية. كما أنها لا تزال تتصدر عالمياً تداول العملات الأجنبية، وأسعار الفائدة الدولية ومشتقاتها.

أما المجال الذي تراجعت فيه لندن بشكل ملحوظ فهو سوق الأسهم، حيث انهارت عمليات الإدراج الجديدة المحلية والدولية، وتراجعت القيمة الإجمالية للأسهم البريطانية بشكل كبير مقارنة بمنافسيها، كما تأثرت جميع إصدارات الأسهم الأخرى.

وقد يكون ذلك نتيجة غير مباشرة لعملية «بريكست» وتأثيرها السلبي على الاقتصاد بشكل عام، ولكن لا يمكن تحميل المسؤولية للشركات المالية في الحي المالي لفقدانها امتيازات الوصول إلى أسواق أوروبا. وانتقلت بعض الأنشطة، لاسيما التي تنطوي على التعامل المباشر مع عملاء الشركات الصغيرة أو الأفراد داخل الاتحاد الأوروبي، مثل وظائف المبيعات في الاستثمار، والاقتراض أو التمويل، وبعض الأعمال الاستشارية وتداول الأسهم الأوروبية، وأزواج العملات التي تشمل اليورو، ولكن في الغالب في المجالات المرتبطة مباشرة بعملاء الاتحاد الأوروبي. كما انتقل بعض مديري تلك الأنشطة ومديري المخاطر المرتبطة بها، استجابة لرغبة الجهات التنظيمية الأوروبية في إخضاع تلك الأعمال لإشراف مباشر وواضح. غير أن ارتفاع تكاليف التوظيف وتسريح العمالة في أوروبا دفع البنوك الكبرى إلى محاولة تقليل عمليات النقل إلى أدنى مستوى ممكن، ونجحت في ذلك إلى حد كبير. وشهدت أوروبا زيادة ملحوظة في أعداد أصحاب الدخول المرتفعة في القطاع المالي، وفق بيانات الهيئة المصرفية الأوروبية، إلا أن القفزة الأكبر جاءت عام 2021، نتيجة لتدفقات السيولة الضخمة خلال جائحة كورونا ثم ارتفاع أسعار الفائدة، مما عزز نشاط الأسواق المالية عالمياً وليس في أوروبا وحدها.

 

ويشير ويليام رايت، مؤسس شركة «نيو فاينانشال»، مركز أبحاث وتحليلات مستقل، مقره لندن، إلى أن أكبر خمسة بنوك أميركية أضافت نحوي 2500 وظيفة إضافية في باريس استجابة لـ«بريكست». ومن المُرجح أن لندن قد فوتت بعض فرص نموها، لكنها ليست الوحيدة في ظل زيادة حدة المنافسة في القطاع المالي. وقبل عقد من الزمن، كانت سنغافورة أقل أهمية من وضعها الحالي، ولم تكن هونغ كونغ قد تفوقت على سويسرا كملاذ آمن لأموال الأثرياء، ولم تكن دبي وجهة مفضلة لصناديق التحوط الكبرى.

ويرى هيو فان ستينيس، نائب رئيس شركة الاستشارات «أوليفر وايمان»، أن لندن تراجعت قليلاً في مجال التوظيف في القطاع المالي، لكن نيويورك تراجعت أيضاً لصالح مدن مثل تكساس وفلوريدا. كما تُظهر البيانات نمو قطاع التمويل والتأمين في نيويورك بوتيرة أبطأ من لندن منذ 2009. كما يضيف ستينيس أن مكانة لندن تراجعت نسبياً أيضاً، على الأقل كمركز قوة من الناحية النوعية، حيث لاحظ خلال السنوات الأخيرة أنه من النادر وجود رؤساء تنفيذيين عالميين في بنك أميركي مقره لندن.

ورغم ذلك، لا تزال لندن تمتلك مزايا عديدة، أبرزها تاريخها الطويل ومكانتها الراسخة والاستثمارات الضخمة التي حولتها إلى مركز مالي عالمي. صحيح أن المراكز المالية الصاعدة حول العالم ستواصل تدريجياً انتزاع أجزاء من نشاطها، لكن التهديد الأكبر سيأتي إذا نجحت أوروبا في بناء سوق موحدة حقيقية لرأس المال والخدمات المصرفية، رغم أن هذا التطور من الناحية النظرية يمثل خطوة إيجابية، وقد تكون لندن جزءاً منه إذا تحقق مستقبلاً، لكن من غير المرجح حدوثه قريباً.

*كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية

*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
     



إقرأ المزيد