جريدة الإتحاد - 7/3/2026 11:20:31 AM - GMT (+4 )
يبدو أن الحرب في أوكرانيا استمرت لفترة أطول مما توقعته موسكو، إذ تصورت في البداية أنها ستكون عملية عسكرية سريعة وحاسمة. ولا يبدو أن أياً من الطرفين بات قريباً من تحقيق نصر كامل، لكن الصراع كشف نقاط ضعف مهمة في الاستراتيجية العسكرية، وأثار تساؤلاتٍ جديدةً بشأن المستقبل السياسي طويل الأمد.
وكان التطور السريع الذي شهدته أوكرانيا في مجال حرب الطائرات المسيَّرة هو أبرز المفاجآت. فقد أدت الأنظمةُ غير المأهولة، ذات التكلفة المنخفضة نسبياً، إلى تعقيد العمليات الميدانية الروسية، بينما مكّنت أوكرانيا من استهداف منشآت الطاقة ومراكز الإمداد والمواقع العسكرية الروسية.
وأصبحت شبه جزيرة القرم مصدراً آخر للضغط على مصادر القوة الروسية، فمنذ ضم روسيا لشبه الجزيرة عام 2014، أدت الهجمات الأوكرانية على خطوط النقل والمنشآت العسكرية إلى تعطيل الحياةَ فيها بصورة كبيرة.
وقد أدّى ذلك إلى تصاعد الجدل داخل الأوساط الاستراتيجية الروسية، حيث دعا البعض، ومنهم المحلل الاستراتيجي البارز سيرغي كاراغانوف، إلى ضرورة تصعيد موسكو للصراع بشكل كبير، بل واقترحوا نشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا كتحذير لـ«الناتو». وفي المقابل، رفض مستشارون آخرون هذه المقترحات باعتبارها متهورةً. ومع ذلك، فإن النقاش بحد ذاته يُظهر مدى خطورة المأزق الحالي. فعندما تناقش شخصياتٌ مؤثرةٌ التصعيدَ النووي علناً، فإن ذلك يعكس قلقاً ملحوظاً إزاء عدم قدرة الخيارات العسكرية التقليدية في تحقيق النتيجة المرجوة.
أما التحدي الثاني فهو اقتصادي، حيث نجد أن سنوات من العقوبات الغربية قيدت قدرةَ روسيا على جني العملات الأجنبية من أهم صادراتها وهي النفط. وخففت الاضطرابات المؤقتة في أسواق الطاقة العالمية، نتيجةً للحرب الأميركية ضد إيران، من ثقل القيود الغربية، لكن أي استقرار دائم في الشرق الأوسط قد يُؤدي مجدداً إلى انخفاض أسعار النفط وزيادة الضغط على الإيرادات الروسية. وسيصبح الحفاظ على الإنفاق الحربي مع ضمان مستويات المعيشة أكثر صعوبة إذا تراجعت عائدات التصدير.
وتُغذي المخاوفُ الاقتصاديةُ مسألة سياسية أوسع، إذ يبدو أن المزيد من الروس يتساءلون، وإن لم يكن ذلك في العلن، عما إذا كانت تكاليف الحرب تفوق فوائدها. ويصعب قياس المزاج الشعبي في ظل الظروف الحالية، لكن استمرار الصراع، والضغوط الاقتصادية، ومحدودية المكاسب الميدانية، كلها عوامل تُختبر بالتأكيد ثقة الشعب في الاستراتيجية العامة القائمة.
وتضع هذه التطورات روسيا أمام خيارات قد تكون صعبةً في المستقبل. فالمؤيدون لأوكرانيا في الكونغرس الأميركي، إلى جانب العديد من الحكومات الأوروبية، ومنتقدو الرئيس دونالد ترامب من الحزب الديمقراطي. كلهم يحثون واشنطن على زيادة الضغوط على موسكو، بالتوازي مع السعي لاستئناف المفاوضات الروسية الأوكرانية. وقد يتضح خلال الحملة العسكرية الصيفية مدى استعداد موسكو لتقديم تنازلات قبل تعزيز سيطرتها على مزيد من المكاسب الإقليمية.
وكانت روسيا قد أطلقت هذه الحرب على أمل استعادة مكانتها التاريخية بوصفها قوة عظمى مهيمنة. لكنها تجد نفسها اليوم في مواجهة حرب مكلّفة، وضغوط اقتصادية متزايدة، وبيئة استراتيجية يتزايد فيها نفوذ الصين، ويتسارع فيها السباق العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو مجال تخاطر روسيا بالتخلف فيه عن الاقتصادات المتقدمة الأخرى. وبالنسبة إلى نخبة روسية بنت صورتَها على القوة والاستقرار، فقد تكون هذه أكبر تحدياتها. ومن دون اقتصاد قوي ومتنامٍ، سيظل أهم ما تمتلكه هذه النخبة هو المؤسسة العسكرية الروسية وترسانتها الضخمة من الأسلحة، وهو وضع لا يدعو إلى الاطمئنان، بل يثير قلقاً بالغاً بشأن الأشهر المقبلة من الحرب في أوكرانيا.
مدير البرامج الاستراتيجية في مركز ناشونال انترست - واشنطن.
إقرأ المزيد


