البشرية وزرقاء اليمامة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

رغم أن فصل الصيف لم يبدأ رسمياً حتى اليوم، فإن العالم يشهد ارتفاعاً غير مسبوق في درجات الحرارة وتعيش أوروبا -على وجه الخصوص- موجة شديدة السخونة، فقد حطمت عدة دول في القارة العجوز أرقاماً قياسية في درجات الحرارة، وسجلت ألمانيا 41.7 درجة مئوية، فيما بلغت في التشيك 41.1 درجة، وسط اندلاع حرائق غابات وإصابات بسبب الصواعق.
موجة الحر التاريخية صاحبها إصدار عدة دول إنذارات حمراء من درجات حرارة تشكل خطراً على حياة الناس، وفي مشهد غير مألوف تكشف لنا الصور التي تتناقلها مواقع التواصل ووسائل الإعلام، انصهار الأسفلت والتصاقه بإطارات السيارات بفعل حرارة الشمس الحارقة.
هذه الأجواء تسببت في انقطاع إمدادات الطاقة، مما أدى إلى تعطل شبكات السكك الحديدية، كما تأثرت حركة النقل وإغلاق المدارس في العديد من البلدان، وحذرت منظمة الصحة العالمية من أن أوروبا أصبحت القارة الأسرع احتراراً في العالم، إذ ترتفع درجة حرارتها بمعدل يزيد بنحو الضعف عن المتوسط العالمي، داعية الحكومات إلى تعزيز خطط مواجهة موجات الحر.
وفي 3 يوليو الجاري، أعلنت وزيرة الصحة الفرنسية ستيفاني ريست أن البلاد سجلت 2025 زيادة على المعدّل المعتاد خلال موجة الحر، فيما أعلنت هيئة الصحة العامة ارتفاع عدد الوفيات بنسبة 30% خلال الأسبوع الأخير من يونيو، وبنسبة 62% في باريس وحدها.
وسجلت ألمانيا بحسب معهد روبرت كوخ للصحة العامة أكثر من 5 آلاف وفاة بسبب موجة شهر يونيو الحارة، وأعلنت بلجيكا وفاة 1747 إنساناً، وهي أعلى حصيلة على الإطلاق خلال موجة حر في البلاد منذ بدء تسجيل البيانات عام 2000.
في ذات الوقت سجلت إسبانيا أكثر من 1000 وفاة إضافية، وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية الإسبانية حالة تأهب قصوى من المستوى الأحمر، في ثلاث مناطق شرق البلاد، أما في هولندا، فقد أعلنت السلطات الصحية تسجيل نحو 480 وفاة خلال أسبوع واحد.
ومع استمرار التوقعات بارتفاع درجات الحرارة في أجزاء من أوروبا خلال الأيام المقبلة، تتزايد المخاوف من اتساع الحصيلة البشرية، خصوصاً إذا استمرت الموجة لعدة أيام متتالية، وما حدث أعاد إلى الأذهان أزمة عام 2003 حينما أودت موجة الحر بحياة عشرات الآلاف، منهم حوالي 15 ألف شخص في فرنسا وحدها.
واللافت أن نسبة استخدام أوروبا لمكيفات الهواء لا تتجاوز الـ20%، كون مواطنيها اعتادوا العيش في الأجواء الباردة، والبيوت هناك في أغلبها مصممة من حوائط عازلة ومكتومة هدفها الأساسي اختزان الحرارة، وليس بها منافذ لتهوية طبيعية تطرد السخونة، ومن ثم حينما تضربها موجة حارة، تتحول البيوت لأفران مغلقة، تحبس الحرارة لتصل إلى مستويات قياسية، حتى إن المراوح لا تفي بالغرض في تبريد وتهوية المكان.
وفي الولايات المتحدة الأميركية، تسببت موجة الحر الشديد في تعطيل احتفالات عيد الاستقلال يوم 4 يوليو بأجزاء كبيرة من وسط وشرق البلاد، وسجلت ولاية نيوجيرسي 19 حالة وفاة مرتبطة بموجة الحر الشديدة، وأوضحت هيئة الأرصاد الجوية أن التحذيرات من درجات الحرارة المرتفعة للغاية شملت نحو 160 مليون أميركي.
بيد أن أزمة التغيرات المناخية التي نعانيها لا تؤثر على اليابسة فقط، فالمحيطات حول العالم تشهد ارتفاعاً غير مسبوق في درجات حرارة سطحها، بعدما سجلت مستويات قياسية جديدة خلال شهر يونيو 2026، متجاوزة الأرقام القياسية السابقة لعامي 2023 و2024.
ويصف العلماء هذه التطورات بأنها مؤشر خطير على تسارع الاحترار العالمي ودخول النظام المناخي في مرحلة «غير مألوفة»، ووفقاً للبيانات، فإن متوسط درجات حرارة سطح المحيطات اقترب من 70 درجة فهرنهايت (حوالي 21 درجة مئوية)، وهو مستوى مرتفع بشكل غير معتاد على النطاق العالمي.
وفي هذا السياق، حذر علماء برنامج كوبيرنيكوس لتغير المناخ من أن العالم يقترب من «منطقة غير مسبوقة مناخياً»، في إشارة لاستمرار تسجيل الأرقام القياسية، بما يعني أن النظام المناخي لم يعد مستقراً كما كان في السابق، وأن الظواهر المناخية المتطرفة لم تعد استثناءً بل أصبحت هي القاعدة.
بكل آسى، ومع حالة التباطؤ في مواجهة أزمة التغيرات المناخية والآثار السلبية المترتبة على الاحتباس الحراري، أخشى أن يكون مصير البشرية كلها، كقوم زرقاء اليمامة التي أبصرت الخطر مبكراً وحذّرت بني جلدتها وأنذرتهم كي ينتبهوا ويستعدوا لما هو قادم، لكنهم سخروا منها حتى باغتتهم اللحظة التي لم يعد ينفع معها الندم.



إقرأ المزيد