أزمة فقر أم مؤسَّسات؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لأكثر من نصف قرن ظلَّ سؤال واحد يتكرر في الأوساط السياسية والاقتصادية: إذا كانت بعض الدول، ولا سيما في أفريقيا، تعاني الفقر، فلماذا لا يكفي أن نمنحها مزيداً من الأموال؟ يبدو السؤال منطقياً، لكن التجربة التاريخية تكشف أن المشكلة لم تكن في ندرة التمويل بقدر ما كانت في طبيعة البيئة التي استقبلته. فقد تدفقت مئات المليارات، بل تريليونات الدولارات، في صورة منح وقروض ومساعدات وبرامج تنموية، ومع ذلك لم يتحول جزء كبير منها إلى تنمية مستدامة، بينما نجحت دول أخرى بموارد أقل في بناء اقتصادات تنافسية ومؤسّسات مستقرّة. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل يصنع المال الدول، أم أن الدول هي التي تمنح المال قيمته؟فهل تُمثل المنح والمساعدات البديل الطبيعي للاستعمار العسكري، حيث إن النتيجة واحدة بسلب أموال وثروات الشعوب وتمكين حكومات ونُخب وأحزاب ورموز فاسدة من البقاء في الحكم لضمان الحصول على الموارد اللازمة بثمن بخس وجعل شركات تلك الدول العظمى المتحكمة بموارد العالم الأهم؟
يكمن الخطأ الأكبر في الاعتقاد بأن الثروة تسبق المؤسسات، بينما تؤكد التجارب الناجحة أن المؤسّسات هي التي تسبق الثروة. فالمال يستطيع بناء طريق أو مستشفى أو محطة كهرباء، لكنه لا يستطيع شراء النزاهة، أو إنشاء قضاء مستقل، أو فرض سيادة القانون، أو حماية حقوق الملكية، أو بناء إدارة عامة كفؤة، أو ترسيخ ثقافة المساءلة والشفافية. هذه ليست تفاصيل إدارية، بل هي البنية التحتية غير المرئية التي يقوم عليها أي اقتصاد قادر على النمو والاستمرار.
فالمدرسة لا تنجح لأنها شُيِّدت، بل لأنها تُدار بكفاءة. والمستشفى لا يؤدي رسالته لأنه يضم أحدث الأجهزة، بل لأنه يعمل ضمن منظومة صحية فعّالة. والطريق لا يحقق التنمية لأنه عُبِّد بالإسفلت، بل لأنه يُصان ويُدار ويُستثمر ضمن رؤية اقتصادية متكاملة. ولهذا فإن ضخ الأموال في بيئة تفتقر إلى الحوكمة يشبه صب الماء في وعاء مثقوب، فكلما زادت الكمية، زادت الخسائر.
ولهذا لا تُقاس ثروة الأمم بحجم ما تتلقّاه من تمويل، بل بقدرتها على تحويل رأس المال إلى إنتاج ومعرفة واستثمار. ففي ظلِّ مؤسسات قوية يُصبح كل دولار أصلاً اقتصادياً جديداً، أما في ظل مؤسسات ضعيفة فقد يتحول إلى شبكة محسوبية، أو امتياز سياسي، أو فساد مالي، أو مشروع لا يحقق قيمة مضافة. فالمال لا يعوّض غياب المؤسسات، بل قد يكشف هشاشتها ويضاعف آثارها. ومن هنا برز في أدبيات الاقتصاد السياسي سؤال أكثر عمقاً: ماذا يحدث عندما تعتمد الحكومات على التمويل الخارجي أكثر من اعتمادها على بناء قدراتها الذاتية بأيدي أبنائها؟
فالدولة التي تعتمد على المساءلة التشاركية تدرك أن شرعيتها واستقرارها يرتبطان بثقة المجتمع، وأن المواطن سيطالب بخدمات أفضل ومحاسبة أكبر مقابل مساهماته. أما عندما تصبح المساعدات الخارجية من مصادر النمو والتنمية الرئيسية للدول، تضعف العلاقة الطبيعية بين الدولة ومواطنيها، لأن استمرار الموارد لم يَعُد مرتبطاً بالضرورة برضا الداخل، بل باستمرار الدعم القادم من الخارج. 
وفي بعض السياقات التاريخية، تداخلت الاعتبارات التنموية مع المصالح الجيوسياسية والاقتصادية، فدعّمت قوى كبرى، في مراحل مختلفة، حكومات سلطوية أو هياكل حكم ضعيفة، تحقيقاً لمصالح استراتيجية أو لضمان الوصول إلى الموارد والأسواق أو لموازين القوى الدولية. وفي المقابل، أثبتت تجارب أخرى أن المساعدات قادرة على إحداث تحول حقيقي عندما ارتبطت بإصلاحات مؤسسية وبناء قدرات وطنية مستدامة.
لذلك لا يمكن اختزال جميع التجارب في تفسير واحد، لكن يمكن الجزم بأن غياب المؤسسات الرشيدة كان القاسم المشترك في معظم تجارب التعثر التنموي. إن التنمية الحقيقية لا تبدأ بالإعلان عن مليارات الدولارات، بل تبدأ بحماية حقوق الملكية، واستقلال القضاء، وكفاءة الإدارة، ووضوح التشريعات، والرقابة المالية، وحرية المبادرة الاقتصادية، والاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في الخرسانة. فهذه هي العناصر التي تجعل المال ينتج قيمة، وتجعل الاقتصاد ينتج فرصاً، وتجعل الدولة تنتج الثقة.
وفي النهاية، ليست مشكلة الدول النامية في نقص الأموال، بل في غياب المؤسسات التي تمنحها معناها. فالأموال يمكن أن تموّل المشاريع، لكنها لا تضمن نجاحها. ويمكن أن تموّل المشروعات، لكنها لا تصنع العدالة. ويمكن أن تؤجّل الأزمات، لكنها لا تعالج أسبابها. لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يسبق أي برنامج للمساعدات ليس: كم؟ بل: ما المؤسَّسات التي ستضمن أن يتحول هذا المال إلى تنمية مستدامة، لا إلى دورة جديدة من الاعتماد والفساد؟ فالدول لا تُقاس بما تملكه من ثروات، وإنما بما تمتلكه من مؤسسات قادرة على تحويل تلك الثروات إلى إنسان حُر، واقتصاد مُنتج، ومستقبل مستدام.


*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات. 



إقرأ المزيد