«الناتو» في قمة أنقرة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

عُقِدَت يومي 7و8 من الشهر الجاري القمة الـ 36 لحلف شمال الأطلسي في أنقره، وقد اكتسب توقيتها أهمية خاصة لأنها القمة الأولى بعد التوصل لمذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية الشهر الماضي، التي أوقفت مؤقتاً المواجهة المسلحة بعد طرفيها، ومن المعروف أن هذه المواجهة فاقمت من الأزمة بين الطرفين الأميركي والأوروبي في الحلف، وهي الأزمة التي بدأت منذ ولاية ترامب الأولى وتواصلت في ولايته الحالية حول إعادة توزيع الأعباء المالية للحلف، غير أنها تفاقمت مع بدء الولاية الثانية بسبب اختلاف وجهة نظر ترامب عن معظم وجهات النظر الأوروبية فيما يتعلق بتسوية الملف الأوكراني. 
وكان الأخطر من هذا الاختلاف ما بدا أنه مطالبات إقليمية من ترامب تتصل بالسلامة الإقليمية لأعضاء في الحلف، كما في الحديث عن كندا باعتبارها الولاية الـ51، والمطالبة الصريحة بجزيرة جرينلاند التابعة للدانمرك، ثم وصلت الأزمة ذروتها بعد حرب إيران، إذ كان تقييم ترامب لأداء الحلف في هذه الحرب بالغ السوء، وأدلى في هذا الصدد بتصريحات صادمة عن الحلف، كوصفه بأنه نمرٌ من ورق، والتلميح إلى الانسحاب منه، وتخفيف عدد أفراد القوات الأميركية في بعض قواعده بأوروبا، كما حدث في ألمانيا بسحب 5 آلاف جندي من ألمانيا، ولذلك كان التساؤل المطروح حول القمة قبل انعقادها يدور حول احتمالات نجاحها أو فشلها في تطويق أزمة الحلف. 
ويُلاحظ أولاً أن ترامب أدلى في القمة بتصريحات ناقدة قوية لحلف شمال الأطلسي، سواء بسبب عدم مساندته في حربه ضد إيران، ووصف ذلك بالجبن والاتكالية، وكرّر كذلك وصفه للحلف بأنه طريق ذو اتجاه واحد، بمعنى أن واشنطن تُنفق عليه مئات المليارات، بينما لا يدعم الأوروبيون بلاده. 
ترامب خصَّ إسبانيا بانتقاد لاذع لرفضها رفع إنفاقها الدفاعي، ملوِّحاً بإجراءات تجارية ضدها، كما عاود مطالبته بضم جزيرة جرينلاند، منتقداً الدنمارك لرفضها التخلي عنها، فضلاً عن تجديد انتقاداته للسياسات الأوروبية المتعلقة بالطاقة والهجرة، وكذلك لامبالاته بالحرب بين أوكرانيا وروسيا، واصفاً إياها بأنها «لا تؤثّر علينا»، أي أن كل أسباب الأزمة ومظاهرها قد استمرت، بل لقد ألمح إلى أن حضوره القمة إكرام للرئيس أردوغان، وهو ما اعتُبر تقليلاً من شأن باقي رؤساء الدول الأعضاء.
 وقد تراوحت ردود فعل الدول الأوروبية ما بين محاولة احتواء التصعيد، كما حاول أمين عام الحلف، بتأكيده قوة الحلف وتماسكه، والتركيز على لغة الصفقات التي يفضّلها ترامب، بالكشف عن صفقات ضخمة لشراء أسلحة وأنظمة دفاعية أميركية، والتمسك بالمواقف المبدئية، كما في رفض الدنمارك القاطع لمطلب ترامب بضم جرينلاند، ومع ذلك فقد جاء البيان الختامي، وكأنه يحاول تطويق الأزمة، فقد تضمّن توقيع الحلفاء اتفاقيات شراء دفاعية جديدة تجاوزت 50 مليار دولار، فضلاً عن تعهُّد الأعضاء بالعمل معاً لتعزيز القدرات الإنتاجية الجماعية، وتسريع وتيرة الابتكار. 
 وأكد البيان «الالتزام الراسخ»، بالرابطة الأطلسية، وحاول الاقتراب من المواقف الأميركية بالتأكيد على ضرورة عدم امتلاك طهران سلاحاً نووياً، واحترامها حرية الملاحة في مضيق هرمز.
 ويمكن القول بأن فعاليات القمة وبيانها الختامي قد صوّرا الوضع الراهن للحلف بدقة، فالأزمة قائمة كما يظهر من التصريحات، لكنها لم تصل إلى حدِّ المساس بالرابطة التحالفية، ولا مانع من إظهار التضامن بين أعضاء الحلف. 


*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة. 



إقرأ المزيد