جريدة الإتحاد - 8/2/2026 11:37:20 PM - GMT (+4 )
منذ أسابيع، عاد مضيق باب المندب إلى قلب المشهد الإقليمي، بعد أن حوّلته جماعة «الحوثي» إلى ورقة ضغط جديدة في صراع أوسع يتجاوز حدود اليمن، ليشمل أمن الملاحة الدولية، واقتصادات العالم المرتبطة بحركة النفط والتجارة عبر أحد أهم الممرات المائية في العالم.
بدأ المشهد بتهديدات «حوثية» باستهداف ناقلات النفط وسفن الشحن، سرعان ما تحوّلت إلى أفعال ميدانية شملت هجمات فعلية ومحاولات أخرى فشلت في الوصول إلى أهدافها، من بينها صاروخ بعيد المدى، سقط قرب المضيق دون أن يُحدث أضراراً تُذكر. ورافق ذلك تحشيدٌ عسكريٌّ لافتٌ في المناطق المطلّة على الممر المائي، شمل نقل منصات صواريخ ومعدات ثقيلة إلى مواقع قريبة من خطوط التماس، في مؤشر على أن الجماعة تستعد لجولة تصعيد أطول أمداً، وليس لعملية عابرة.
النتيجة كانت مباشرة وملموسة، تمثّلت في تراجع ملحوظ في حركة السفن العابرة للمضيق، إذ بدأت شركات الشحن العالمية إعادة تقييم المخاطر الأمنية، وهو ما ينذر بتكرار سيناريو سبق أن شهده البحر الأحمر خلال الأعوام الماضية، حين اضطرت ناقلات النفط والبضائع إلى تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، بتكلفة إضافية تُقدَّر بعشرات الأيام، وارتفاع كبير في أسعار الشحن والتأمين البحري.
وهذا التصعيد ينطوي على بُعد إقليمي يتجاوز اليمن، فلا يمكن قراءة هذا التصعيد بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تشير تقديرات عديدة إلى أن التحرك «الحوثي» لا ينفصل عن حسابات إيرانية تسعى إلى فتح جبهة ضغط جديدة على الولايات المتحدة وحلفائها، في وقت تتصاعد فيه المواجهة بين طهران وواشنطن في أكثر من ملف.
فباب المندب، بموقعه الاستراتيجي كممرٍّ إجباريٍّ لجزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، يمنح مَن يتحكم في التهديد به قدرة على التأثير في الأسواق الدولية، دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة واسعة.في المقابل، جاء الموقف الأميركي حاسماً نسبياً، إذ تعهّدت واشنطن بالرد على أي تهديد «حوثي» لحركة الملاحة التجارية، ما يفتح الباب أمام احتمال استئناف عمليات عسكرية كانت قد توقفت منذ العام الماضي بموجب تفاهمات سابقة بين الطرفين. كما فرضت الخزانة الأميركية عقوبات على شركات اتُّهمت بالمشاركة في آليّات تمويل غير مشروعة مرتبطة بفرض رسوم على السفن العابرة، في خطوة تعكس قلقاً متزايداً من تحوّل التهديد إلى أداة ابتزاز اقتصادي منظم.
ولا يقتصر الأثر على الأسواق العالمية فحسب، وإنما يمتد إلى الداخل اليمني نفسه، حيث أدى الحصار غير المباشر الناتج عن التصعيد إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة «الحوثي» بنسب تتراوح بين 20 و40 في المئة، ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية، ويُثقل كاهل المواطن اليمني الذي يدفع ثمن سنوات من الحرب والانهيار الاقتصادي.
يبقى السؤال الأهم: هل تتجه الأمور نحو مواجهة عسكرية واسعة، أم أن التصعيد الحالي لن يتجاوز حدود الاستعراض والضغط التفاوضي؟ الإجابة مرهونة بعوامل متشابكة، أبرزها مسار المواجهة الإيرانية-الأميركية الأوسع، ومدى استعداد الأطراف الدولية لتحمّل تكلفة اقتصادية متصاعدة مقابل تأمين أحد أهم ممرات التجارة العالمية.
ما هو مؤكد أن باب المندب، الذي كثيراً ما شكّل بوابة عبور آمنة تربط الشرق بالغرب، بات اليوم عنواناً لمعادلة أمنية واقتصادية معقّدة، تتطلب تحركاً دوليّاً منسّقاً يتجاوز الحلول الجزئية والمؤقتة، وإلا فإن الملاحة الدولية والاقتصاد العالمي سيبقيان مهدَّدين بأزمة أطول أمداً وأكثر تكلفة.
*باحثة - مركز تريندز للبحوث والاستشارات.
إقرأ المزيد


