ربوتات الاستشارة المالية.. خدمات مجانية شاملة!
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ينبغي أن تتاح المشورة المالية للجميع بفضل روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، التي باتت تقدم نصائح لا تقل جودة عن النصيحة البشرية، بل تضاهي ما يقدّمه المستشارون الماليون، وربما تتفوق عليهم. فهي تمتلك قاعدة معرفية واسعة، كما أنها أقل عُرضة لتضارب المصالح والانحيازات التي قد تؤثّر في البشر.
وقد قلّلت التكنولوجيا بالفعل الأرباح الطائلة التي يحصل عليها الوسطاء الماليون ومديرو الصناديق، حيث أدى التداول عبر الإنترنت إلى إلغاء العمولات، وخفض رسوم الصناديق بشكل كبير. واتجهت البنوك الكبرى ومديرو الأموال المستقلون إلى تقديم الاستشارات المالية، وهو المجال الوحيد المتبقي لتحصيل الرسوم. والآن، تتجه برامج الدردشة الآلية إلى هذا المجال أيضاً.
ويُعتبر تقديم النصائح المالية مهمة سهلة للذكاء الاصطناعي، حيث يمكنه تلخيص ما يحتاج الأشخاص لمعرفته حول التمويل الشخصي في بطاقة صغيرة: ادخر واحتفظ ببعض النقود تحسُّباً لأي طارئ، ضع أموالاً في حسابات التقاعد، اشترِ صناديق مؤشرات منخفضة التكلفة، تتبّع أداء الأسواق بشكل عام، استثمر بانتظام وحافظ على استثماراتك، وتجاهل العناوين الرئيسية.
وتقدم برامج الدردشة الآلية هذه الرسالة بدقة وتفاصيل حسب رغبة المستخدم. وعند سؤال روبوتات «جيميني» من شركة «ألفابت»، و«شات جي بي تي» من شركة «أوبن إيه آي»، وبرنامج «كلود» من شركة «أنثروبيك»، عن نصائح استثمارية، كانت الإجابات متطابقة تقريباً وشاملة وسهلةَ الفهم، وهي النصائح الشائعة التي تحصل عليها من أي مستشار مالي. كما قدّمت روبوتات الدردشة الآلية إجاباتٍ أكثر تفصيلاً عند الطلب، مع التزامها بنفس المبادئ الأساسية.
 وغالباً ما تكمن قيمة المستشارين في تشجيعهم على تبنِّي عادات مالية سليمة، تماماً كما يُصر المدرب الشخصي على أن يمارس المتدربُ تمارينَ الضغط. إلا أن روبوتات الدردشة الآلية مُشجّعة بنفس القدر، حيث شجّعت على تكوين احتياطي نقدي للطوارئ والمساهمة في حسابات التقاعد. واقترحت محفظةً متوازنةً من الأسهم والسندات، وشدّدت على الانضباط والالتزام بالخطة. وستُذكِّرك تلك الروبوتات بأنها ليست مستشارين ولا تُقدم نصائح شخصية، ولكن إذا طلبت نصيحة شخصية، فستقدمها بالتأكيد.
وعند طرح أسئلة استفزازية على تلك الروبوتات في محاولة لاستخلاص إجابات مُريبة، ظلت ثابتة على موقفها، مثل سؤال بشأن ما إذا كان بالإمكان تحقيق عائد أعلى مع مخاطر أقل، أو تحقيق عائد سنوي يبلغ 20%، أو ترشيح أسهم ستتفوق على السوق، أو تعديل المحفظة وفقاً لتقلبات الأسواق، جاءت الإجاباتُ حذِرةً، وأكدت أن مثل تلك الوعود غير واقعية.
وقد أصبح الاتجاه إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة المالية رائجاً بالفعل، حيث أظهر استطلاع رأي أن ربع الأميركيين استخدموا برامج الدردشة الآلية للحصول على المشورة المالية، وأن نحو نصفهم استخدموها في الأسبوع السابق. بل تشير التقديرات إلى أن 80% من جيل زد يستخدمون برامج الدردشة الآلية للحصول على المشورة الاستثمارية.
وستكون أولى الشركات التي ستتضرر من روبوتات الدردشة هي شركات الاستشارات الآلية التي تُقدَّر قيمتُها بتريليونات من الأموال ويديرها بشريون، سواء أكانوا مستقلّين أم يعملون في البنوك الكبرى. فما يُقدمونه لمعظم الأشخاص من نصائح تشبه توصيات برامج الدردشة الآلية.
وتحاول بعضُ البنوك الكبرى مواجهةَ هذا التهديد، كما فعلت مع المستشارين الآليين. فقد أطلقت شركة «سيتي غروب» مساعداً يعمل بالذكاء الاصطناعي لعملاء إدارة الثروات، وأعلنت شركة «إتش إس بي سي» عن شراكة مع «جوجل كلاود» التابعة لشركة ألفابت لتطوير روبوتات محادثة مالية مخصّصة، وقام بنك أوف أميركا بتحديث مساعده الافتراضي ليصبح روبوتاً يعمل بالذكاء الاصطناعي.
كما دخلت شركات الذكاء الاصطناعي هذا المجال بقوة. فقد طرحت «أوبن إيه آي» روبوتَ محادثة مخصّصاً للشؤون المالية الشخصية لمشتركي الخدمة المدفوعة، وتتعاون «ألفابت» و«أنثروبيك» مع شركات مالية. ويبقى السؤال: لماذا يدفع المستثمرون مقابل نصائح يمكنهم الحصول عليها مجاناً؟
 إلا أن روبوتات الدردشة لن تحلَّ محلّ المتخصصين الماليين تماماً، فهي لا تستطيع الإجابة عن أسئلة تتطلب بياناتٍ وأبحاثاً مالية خاصة. كما أنها لن تعلِّق عموماً على المسائل المفتوحة التي يناقشها المتخصصون في الاستثمار، كما لا تستطيع معالجة مشكلات لم تُطرح عليها، ولهذا السبب يتمسك المستثمرون الأثرياء بمستشارين ذوي خبرة قانونية وضريبية ومالية لمعالجة القضايا المعقّدة التي يصعب اكتشافها.
وسيظل بعض المستثمرين يفضّلون التعامل مع شخص حقيقي، سواء للحصول على الإرشاد أو لإدارة استثمارات أكثر تفوّقاً. لكن مع توافر استشارات مالية جيدة ومجانية وفورية، سيضطر المستشارون إلى تقديم أداء أفضل إذا أرادوا تقاضي الرسوم.
وسيشهد باقي القطاع المالي تحوّلاً جذرياً. فمع حلول روبوتات الدردشة للمستشارين في مجال الاستثمار والتخطيط المالي، ستصبح تطبيقاتُ التداول وأسواق التنبؤ والمنتجات الاستثمارية الأكثر مخاطرةً هي المصدر الرئيسي للإيرادات. وسوف تواصل روبوتات الذكاء الاصطناعي تقديم النصائح المالية الرشيدة، وسوف تحثُّ المستثمرين على تجنُّب المقامرة بأموالهم. ويبقى السؤال: هل سيستمع المستثمرون إليها؟


*كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية
*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد