الروبوتات.. هل تعيد توطين صناعة السيارات بأميركا؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

حذّر شون فاين، رئيس اتحاد عمال السيارات الأميركيين من أن الذكاء الاصطناعي والروبوتات يمثلان تهديداً يُضاهي اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية «نافتا»، التي نقلت الوظائف خارج الحدود. واعتبر «فاين» أن الاتحاد يخوض «معركة من أجل الإنسانية»، وذلك بعدما سرحت شركة «جنرال موتورز» بعض الموظفين في أحد مصانعها في ديترويت لتستبدلهم بالروبوتات.
ويعتبر استبدال العمال بالروبوتات هو أحد آثار التحول الذي ساهمت فيه السياسات الحمائية التي يؤيدها «فاين»، ويرتبط بإعادة توطين سلاسل إمداد صناعة السيارات الأميركية. فمع السعي إلى إعادة الإنتاج في دول منخفضة التكلفة، مع جعل أسعار السيارات في المتناول، أصبحت الأتمتة الخيار الأكثر بديهية، ولا يقتصر ذلك على استبدال العمال بالآلات، بل يشمل إعادة تصميم المصانع والمنتجات لتشجيع المزيد من التشغيل الآلي.
ولم تعد الروبوتات الشبيهة بالبشر مجرد فكرة خيالية، لكن الأتمتة تتجاوز ذلك، فالسيارات ذاتية القيادة لا تعتمد على روبوت يقود السيارة، بل على سيارة تقود نفسها. وبالمثل، يتجه قطاع السيارات إلى تطوير مصانع قادرة على تنفيذ جزء متزايد من العمليات بصورة آلية، في وقت ظلت فيه إنتاجية الصناعة الأميركية شبه مستقرة خلال العقد الماضي.

وتشمل الأهداف الرئيسية المبكرة للتغيير الوظائف الأقل جاذبية في المصانع، والتي يمكن أن تُحسن ظروف عمال خطوط الإنتاج، مثل الخدمات اللوجستية الداخلية أو نقل البضائع داخل المصنع، حيث لا يزال 60% أو أكثر من هذا العمل يُنجز يدوياً في العديد من المصانع الأميركية، مقارنة بـ20% أو أقل لدى بعض الشركات المصنعة الصينية.

كما أن خطوط التجميع المتحركة العتيقة بحاجة إلى تحديث شامل. وتُطبق شركة «فورد موتور» هذا النهج في مختبرها السري للسيارات الكهربائية في كاليفورنيا، حيث تُطور خط إنتاج مُتشعباً يُجمع أجزاء السيارة بالتوازي قبل دمجها، ولا يتميز بأنه أسرع من خط الإنتاج الخطي فحسب، بل هو أيضاً أكثر راحة، إذ يسمح للعاملين على خط الإنتاج بتركيب لوحة القيادة دون الحاجة إلى الانحناء بشكل غير مريح.
وتُتيح السيارات الكهربائية إمكانية إعادة تصميم المركبات بالكامل نظراً لعدم احتوائها على محركات أو ناقلات حركة، وغالباً ما تُصمم حول البطارية كعنصر هيكلي موحّد. كما تنتشر ابتكارات مثل تقنية الصب العملاق، التي يتم فيها استبدال مئات الأجزاء الملحومة سابقاً بعدد محدود من قوالب هياكل السيارات الكبيرة المصنوعة من مكابس عملاقة، مما يبسط العملية نحو مزيد من الأتمتة.
وتُعد المعايير الموحدة عنصراً أساسياً في نجاح الأتمتة، إذ تزداد كفاءة الروبوتات كلما تعاملت مع عدد أقل من النماذج والعمليات المتكررة. أما التنوع الكبير في مواصفات السيارات، خاصة في المقصورات الداخلية، فيقلل العائد الاقتصادي من الاستثمار في الأتمتة، لأن اختلاف المنتجات يفرض عمليات تصنيع أكثر تعقيداً. ولذلك يبرز تساؤل حول ما إذا كان المستهلك الأميركي سيكون مستعداً للتخلي عن بعض خيارات التخصيص مقابل سيارات أقل تكلفة وأكثر كفاءة في الإنتاج.
قد يؤدي ارتفاع أسعار السيارات إلى استبعاد شريحة من المستهلكين من السوق. ويُعد إطلاق سيارة «سلات أوتو إي في» ذات التصميم البسيط العملي دليلاً على ذلك. ومع ازدياد أهمية البرمجيات سهلة التخصيص وإجراء تحديثات تُميز السيارة، يتم خفض الإنفاق على جوانب لا تهم العملاء وإنفاقها على ميزات يهتمون بها بالفعل.

ورغم سياسات الحماية لصناعة السيارات الأميركية، فإنها لا تستطيع حمايتها من الضغوط المحلية، مثل نقص العمالة اليدوية، لذلك تستثمر بعض الشركات في أتمتة حتى العمليات المعقدة التي تتطلب عمالة كثيفة.

كما أن المنافسة العالمية لن تتراجع بفعل الرسوم الجمركية وحدها، حيث تتجه أوروبا والصين إلى مواجهة انكماش حاد في القوى العاملة بحلول منتصف القرن، ما يمنحهما دافعاً إضافياً لتسريع الاعتماد على الأتمتة، بينما يبقى نمو السكان في الولايات المتحدة ثابتاً.

ومع ذلك، فإن استبدال العمال بروبوتات شبيهة بالبشر أو تشغيل مصانع تعمل بالكامل دون تدخل بشري لا يزال بعيد المنال. فقد اضطرت شركة فورد مؤخراً إلى إعادة توظيف عمال ذوي خبرة لمعالجة مشكلات في الجودة أغفلتها أنظمة الذكاء الاصطناعي.
لكن الاتجاه العام يبدو واضحاً، فالتقدم في الروبوتات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب إعادة هندسة المنتجات وعمليات التصنيع، سيغير طبيعة الوظائف في قطاع السيارات، وسيؤدي إلى تغيير بعض الوظائف وإلغاء أخرى. كما أن إعادة توطين الصناعة داخل الولايات المتحدة، بالتوازي مع انخفاض تكلفة تقنيات الأتمتة، تعزز هذا التحول.لكن المشكلة الكبرى التي تواجه اتحاد عمال السيارات هي ركود النمو، فقد تراجعت حصص شركات صناعة السيارات التقليدية في السوق الأميركية الراكدة، واعتمدت على ارتفاع الأسعار لحماية أرباحها. ويتطلب حلّ هذه المشكلة تعزيز القدرة التنافسية للقطاع. قد تُحدث الأتمتة تغييرات جذرية، لكنها ستضمن استمرار عمل المصانع في المقام الأول.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن». 
*كاتب متخصص في شؤون الطاقة



إقرأ المزيد