لندن في عهد بيرنهام… هل عاد التحالف الأميركي البريطاني؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لا يثير تغيير رئيس الوزراء في بريطانيا اهتماماً دولياً استثنائياً في العادة، فالحكومات تتبدل والسياسات الأساسية تستمر. غير أن وصول آندي بيرنهام جاء في توقيت مختلف، يتزامن مع تصاعد التوتر في الخليج، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وسعي واشنطن إلى إعادة ترتيب شبكة تحالفاتها. لذلك تبدو أهمية المرحلة مرتبطةً بما ستكشفه توجهات الحكومة الجديدة أكثر من ارتباطها بشخص رئيس الوزراء.
وقد جاءت أولى الإشارات الخارجية في عهد حكومة بيرنهام باتجاه واشنطن. فالاتصالات المبكّرة بين رئيس الوزراء البريطاني والرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتأكيد على استمرار استخدام القواعد البريطانية في العمليات الدفاعية المرتبطة بأمن الملاحة، والحديث عن اجتماع دولي في لندن لبحث حماية مضيق هرمز.. كل هذا يعكس رغبةً في إعادة تنشيط التنسيق بين البلدين بعد فترة شهدت تبايناً في بعض الملفات خلال حكومة كير ستارمر.
ومع ذلك، يبقى من المبكر اعتبار هذه التطورات عودةً كاملةً إلى «العلاقة الخاصة» التي وجُدت تاريخياً بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. فما ظهر حتى الآن يؤشّر إلى تقارب سياسي وأمني، لكنه لم يصل بعد إلى مستوى التحالف الذي يعيد رسمَ موازين القوى الغربية أو يؤسس لترتيبات دفاعية جديدة.
أما التحرك الغربي حول مضيق هرمز، فيرتبط بإعادة اصطفاف الحلفاء. فالولايات المتحدة تدرك أن حماية الملاحة وأمن الطاقة لم تَعُد مهمة تستطيع تحمُّلها منفردة، وتتجه إلى توزيع الأعباء على شركائها التقليديين. وتبدو بريطانيا مؤهّلة للعب دور أوروبي بارز، بحكم قدراتها البحرية، وعضويتها الدائمة في مجلس الأمن، وعلاقاتها الوثيقة مع واشنطن ودول الخليج.عندئذٍ يتجاوز الانخراط البريطاني في ملف مضيق هرمز أمنَ الملاحة وحده. فإذا نجحت لندن في جمع عدد أكبر من الدول الأوروبية والغربية ضمن إطار مشترك، فإنها ستعيد تثبيتَ موقعها بوصفها الشريك الأوروبي الأول للولايات المتحدة في إدارة أحد أكثر الملفات حساسية على مستوى الأمن الدولي.
ويحمل ذلك أهميةً خاصةً في حسابات بريطانيا. فمنذ خروجها من الاتحاد الأوروبي، تسعى لندن إلى تعزيز دورها الدولي في الملفات التي تمتلك فيها خبرةً تاريخية وثقلاً سياسياً وعسكرياً. ويمنحها أمنُ الخليج والممرات البحرية فرصة لترجمة طموحها عملياً، مستفيدةً من خبرتها البحرية، وشبكة علاقاتها الدفاعية، ومكانتها داخل المنظومة الغربية.
وتقوم المقاربة الأميركية تجاه لندن على إعادة بناء جبهة غربية أكثر تماسكاً في مواجهة إيران. فوجود بريطانيا في مقدّمة أي تحرك يمنح الولايات المتحدة شريكاً أوروبياً يتمتع بثقل عسكري وسياسي، ويفتح المجال أمام مشاركة دول غربية أخرى ضمن إطار جماعي يتجاوز التنسيق الثنائي. ولا توحي المؤشرات بأن بيرنهام يعتزم إجراء تحول جذري في السياسة الخارجية البريطانية. فالدعم لأوكرانيا مستمر، والالتزام بحلف شمال الأطلسي (الناتو) ثابت، والتعاون الدفاعي مع واشنطن يحافظ على مكانته التقليدية. لذا تبدو الحكومة الجديدة أقرب إلى إعادة ترتيب الأولويات بما يتلاءم مع المتغيرات الدولية، مع الحفاظ على ثوابت السياسة البريطانية.
وتحمل هذه التطوراتُ أهميةً خاصة لدول الخليج، لأن أمن الممرات البحرية أصبح جزءاً من منظومة الاستقرار الاقتصادي العالمي. وكلما اتسعت المشاركة الدولية في حماية الملاحة، تراجعت قدرة أي طرف على تحويل المضائق إلى وسيلة ضغط أو فرض إرادة سياسية.
وستُحدِّد الأسابيع المقبلة اتجاهَ العلاقة بين لندن وواشنطن. فإذا تحوّلت المشاورات الحالية إلى ائتلاف دولي فاعل، ستكون بريطانيا قد استعادت جانباً مهماً من دورها التقليدي إلى جانب الولايات المتحدة. أما إذا بقي التنسيق عند مستوى الاتصالات والبيانات، فسيظل ما نشهده تصحيحاً للعلاقة بين لندن وواشنطن أكثر من كونه عودة كاملة للتحالف الذي طبع سياسات البلدين لعقود.

*كاتب إماراتي



إقرأ المزيد