المثقفُ الفيلسوف جسرُ الحكمة والواقع
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

بلغنا في ختام الحديث السابق سؤالاً يمسّ روح المشروع كلّه: مَنْ يحمل المشعل ويصون الجذوة؟ فالمؤسّسات التي شيّدناها والرعاية التي أصّلناها تظلُّ جسداً ينتظر روحاً تسري فيه. وهذه الروح إنّما تتجسّد في المثقف الفيلسوف، حامل الأمانة ومستودعِ الوعي، الذي يُترجم الفكر من نظريةٍ مجرّدة إلى فعلٍ يُنير درب أمّته. يقفُ هذا المثقف في قلب النهضة موقعَ القلب من الجسد، يضخُّ فيها المعنى ويمنحُها النبض.
يخطئُ مَن يحسب كلَّ حامل شهادةٍ مثقفاً، أو كلَّ متعلّمٍ صاحب رسالة. فالمثقف الفيلسوف صاحب رؤية ومسؤولية تراعي حدود اختصاصه ومصلحة وطنه ومجتمعه. يجمعُ في شخصِه بين عمق النظر وصدق الانتماء، فيرى أبعدَ ممّا يرى سواه، ويستشعر من واجب الوطن ما يغفلُ عنه غيره. المعرفة عنده أمانة تُوجب العمل، والوعي التزامٌ يقتضي الإسهام في بناء الحاضر واستشراف الغد.

شغلَ سؤال العلاقة بين المثقف ومجتمعه أذهان الفلاسفة طويلاً، فانقسمت الرؤى بين التزام وانعزال. رأى أنطونيو غرامشي أنّ المثقف الحقَّ «عضويٌّ» ينبثقُ من نسيج مجتمعه وينشغل في قضاياه، على خلاف المثقف التقليديِّ الذي يجترُّ المعارف جيلاً بعد جيل من غير انشغال. المثقفُ العضويُّ عندَه فاعلٌ في صيرورة التاريخ، يسعى إلى تنوير العقول وتوسيع آفاقِها. من هذا المنظور يصيرُ انتماء المثقف إلى وطنه ومجتمعه شرطاً في صدقِ رسالته.
أضافَ آخرون مثل إدوارد سعيد إلى هذه الصورة بُعداً آخر حين جعل من المثقف صوتاً يواجهُ الجمود والتقليد. غيرَ أنّ حدّة النقد تبلغُ غايتها النبيلة حين تبني وتُصلح، وتضلُّ سبيلها حين تكتفي بالهدم والتهييج. المثقف الأنضج يوجّه نقده نحو التطوير، فيكشف الخلل ويقترح البديل، ويصون استقلال عقله ليخدم وطنه من داخله، فيعمل على تنميته وإثرائه بروح المُحب الغيور الحريص على البناء. بذلك يجتمعُ له صدق الكلمة ونفعُ الأثر.
يحملُ المثقف الفيلسوف أمانةً ثقيلةً تجاه وعي مجتمعه، فكلمتُه تبني العقول أو تهدمُها، وتجمعُ الصفوف أو تفرّقُها. من واجبه أن ينشر التنويرَ ويُشيعَ ثقافة العقل، ويقف سدّاً منيعاً في وجه التطرّف والجمود معاً، فكلاهما آفةٌ تُطفئ نور الفكر. ويميّز في خطابه بين النقد الذي يُصلح ويُرشد، والتهييج الذي يُشعل الفتنة ويحصدُ الخراب. صاحب الرسالة يزنُ الكلمة بميزانِ مسؤوليّتِها قبلَ أن ينطقَ بها.
وينحازُ المثقف الفيلسوف إلى وطنه ومجتمعه أولاً وآخراً، ويسهمُ في مشروع النهوضِ شريكاً وعنصراً فاعلاً في البناء. وفي سقراط حكيم أثينا خيرُ مثالٍ على هذا الاقتران، فقد عاشَ بينَ الناس يوقظُ عقولَهم بالسؤال، ودفعَ حياته ثمناً لصدقه مع الحقيقة، من غير أن يرفع سيفاً أو يُشعل فتنة. تلكَ صورة المثقف الملتزم الذي يخدمُ الحقيقة بالحُجّة والإقناع، ويصون سلامَ واستقرار مدينتِه في الوقتِ الذي يُنيرُ فيه عقولها. مثل هذا المثقف عماد كل نهضةٍ صادقة.
يتّضح في ختام القول أنّ المثقف الفيلسوف روحُ المشروع الحضاري ونبضه، تجتمعُ فيه الرؤية والمسؤولية والانتماء. فحينَ يتقن فنَّ الجمع بين عمق الفكرة وصدق الالتزام، يصيرُ جسراً بين الحكمةِ والواقع، وقدوةً يُلهم مجتمعه ويُثري وطنه. تبقى بعدَ ذلك غايةٌ كبرى يسعى إليها هذا المثقف ويوجّهُ إليها جهده: أن ينقل أمّتَه من عصر استهلاك الأفكار إلى زمن إنتاجها والإبداع فيها. ذلك ما يقودُنا إلى حديثٍ جديدٍ عن الانتقال من الاستهلاكِ إلى الإنتاج، موعدنا في المقال المقبل.

*كاتب إماراتي



إقرأ المزيد