جريدة الإتحاد - 8/5/2026 11:29:30 PM - GMT (+4 )
تراجعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن موقفها التصعيدي تجاه إيران بعد أقل من 36 ساعة على ورود تقارير تفيد بقرب شن ضربات عسكرية واسعة، إذ أعلن الرئيس عن «ملامح اتفاق» بين واشنطن وطهران، بينما سارعت مصادر إيرانية إلى نفي ذلك.
ويوضح هذا التغيير أن «استراتيجية» البيت الأبيض تجاه إيران قد تغيّرت، إذ قال ترامب منذ أيام، بعد الضربات الإيرانية ضد أهداف أميركية في المنطقة، إن الدور الأميركي لشن ضربات قد حان.
ويُثير بعضُ المراقبين مخاوفَ من «حرب أوسع» في الشرق الأوسط، خاصة بعد الضربات الجوية ضد ميليشيات شيعية عراقية في 20 يوليو الماضي، والتهديدات الأخيرة التي أصدرتها جماعة «الحوثي» ضد حركة الملاحة والتجارة البحرية في البحر الأحمر، وما أعقب ذلك من إعلان في الرياض عن تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر وإبقائه مفتوحاً. كما شكّل هجومٌ بطائرة مسيرة على ميناء دمياط المصري تهديداً لحركة الملاحة عبر قناة السويس التي تعد المخرج الشمالي للبحر الأحمر.
وجاء ذلك بعد أيام من استهداف أوكرانيا سفينةً إيرانيةً في بحر قزوين للاشتباه في نقلها معدات عسكرية، مما أثار تساؤلات بشأن تداخل الحرب في أوكرانيا مع صراعات الشرق الأوسط، وهو تداخل قد يُؤدي إلى «حرب مفتوحة تمتد عبر أوراسيا والشرق الأوسط».
ورغم ذلك، فالبديل لا يقتصر على الاختيار بين سياسة «الرد بالمثل» وحرب إقليمية واسعة، إذ يتطلب الأمرُ تبني رؤية استراتيجية تأخذ في الاعتبار المحورَ المتنامي بين الصين وروسيا («الشراكة بلا حدود»)، إلى جانب إيران وبيلاروسيا وكوريا الشمالية، وهو تحالف سبق أن حذر مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي من أنه قد يشكّل «السيناريو الأكثر خطورة».
كما تفرض التوتراتُ في آسيا نفسَها على الحسابات الأميركية، سواء في بحر الصين الشرقي ومضيق تايوان، أم في بحر الصين الجنوبي، أم على الحدود مع الهند وفيتنام، ما يجعل ترتيب أولويات الأمن القومي الأميركي أكثر إلحاحاً من خوض مواجهات متزامنة على جميع الجبهات.
لذا، ليس من المستغرب تداخل الصراعان الأوكراني والإيراني، فقد زوّدت طهرانُ موسكو لسنوات بالمسيّرات، وردت موسكو بتزويدها بمعلومات استخباراتية عسكرية بالغة الأهمية، كما فعلت الصين.
كما أن التوترات في آسيا لها تأثير كبير على القرارات الأميركية المتعلقة بالصراعين، إذ إن روسيا قوة دولية في شرق آسيا، شأنها شأن الصين أيضاً. لذا، ينبغي أن تكون الأولوية الاستراتيجية للإدارة الأميركية لمصالح وقدرات الأمن القومي للبلاد، بما لا يعني شن حرب شاملة على جميع الجبهات.
ولا يكفي تحديد الأولويات نظرياً، بل يتطلب الأمرُ خطواتٍ عمليةً تركّز على شل النظام الإيراني أو إسقاطه، وكبح جماح روسيا في أوكرانيا، وتعزيز الردع في مواجهة الصين.
وتشير المؤشرات إلى وجود انقسامات داخل النظام الإيراني، وهو ما عكسه تمييز ترامب بين الجهة التي هاجمت القواعد الأميركية في المنطقة وبين المفاوضين المدنيين في طهران. كما أن الفشل في ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز قد يزيد الضغوط السياسية على ترامب قبل انتخابات نوفمبر، ما يجعل مواصلة النهج الذي بدأه في فبراير خياراً أكثر جدوى.
وفي أوكرانيا، تبرز الحاجة إلى تسريع منح تراخيص تكنولوجيا منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي، وتشديد الضغوط الاقتصادية على روسيا، والإبقاء على الوجود العسكري الأميركي داخل «الناتو». ورغم أن أوكرانيا تُعد اليوم أقوى قوة عسكرية في أوروبا، فإن تحقيق الاستقرار على جبهة القتال يظل الهدفَ الأكثرَ واقعيةً في المرحلة الحالية.
وفي منطقة المحيطين الهندي والهادئ، يجب العمل على تعزيز التحالف الرباعي الذي يضم الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا، ودعم خطط اليابان لزيادة قدراتها العسكرية التقليدية، حيث إن إسقاط نظام طهران سيبعث برسالة ردع قوية لمنافسي الولايات المتحدة.
*مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض (2018 - 2019)
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


