جريدة الإتحاد - 8/6/2026 12:19:14 AM - GMT (+4 )
ظلت الأفكار الفلسفية، والاجتماعية محبوسة في قفص الصورية الأرسطية، القائمة على الاستنباط، وما شابها من إيقاعات الخطأ الفادح الذي أصاب الحياة البشرية، في ذلك الزمان، زمان أرسطو ومن والاه، حتى جاء فيلسوفنا العربي، ابن خلدون، ليضع يده على الجُرح المكين، لينقذ الفكر من التشرذم، ومن حثالة القهوة التي كان يشربها المتحذلقون، ويشيعون تأملاتهم ذات البرج العاجي، ويطلقون أفكاراً تشبه أرانب مهزومة، ويعلّقون كل الحقائق على مشاجب استنباط الأجزاء من الكليات، وهنا هبّ ابن خلدون واعتبر ذلك مغامرة الفكر الإنساني للهروب من صدمات العجز في مواجهة حقيقة واحدة، وهي أن الاحتمال سيد المقال، وما اليقين إلا مجازفة عقلية، القصد منها الهروب، والجلوس على مقاعد التنظير، لتأكيد افتراضات خاطئة واعتبارها حقائق صائبة.
ابن خلدون اعتبر ذلك هروب العقل من العقل، كما ذكر الفيلسوف الهندي وكاهن الخروج من العقل، ولما اقترب ابن خلدون من هذه المجرة التي كانت بعيدة كل البُعد عن منال العقل، شرح بالقول والفعل، أنه ما من تصوّر أرسطي، إلا وراءه، خدعة بصرية الهدف منها ترسيخ فكرة الخلود لإنسان فانٍ، وهنا أصل المأزق، ويذكر لنا الفيلسوف عالم الاجتماع العراقي، الدكتور علي الوردي، بأن ابن خلدون نقل المنطق من الشّكلانية إلى المحتوى، والمضمون، وهذا ما ميّز هذا الفيلسوف، وخلّد اسمه في التاريخ الفلسفي، كونه أصبح مؤسّساً لعلم الاجتماع، وسبق أوجست كونت مؤسّس علم الاجتماع الغربي بقرون.
هذه الصورة الزاهية لفيلسوف عربي عاش في القرن الرابع عشر، تبدو للقارئ بأن الخلود قرين المغامرة المحسوبة، والوثبة المكتوبة على جبين الوعي، وبأهمية أن نكون مثل دودة القزّ، التي تحوك خيوطها الحريرية، بحساب الدقة، مقرونة مع الأناقة في تهذيب الفطرة، وليس ابن خلدون إلا ذلك العالم الاجتماعي الذي نقل علم الاجتماع من دائرة البوح الكلامي إلى فضاء الفصيح العقلي، المتزن، وقد وجِّهت لهذا العالم انتقادات من لدن متزمّتين اعتبروا المنطق الخلدوني مغامرة للعقل، وقد تؤدّي إلى ضياع مسلّمات، ولكن فكر الرجل، والتزامه الأخلاقي تجاه علمه، وضعاه فوق كل التكهّنات، وكل الهنّات، واستطاع ابن خلدون أن يبني له منزلة عند الكبار، والكبار جداً، وبذلك نخلص بأن الإنسان يستطيع أن يقاوم ترف النقد ومهما بلغت سهامه من حدة، وشراسة، فإن الإيمان بصحة ما يُفضي إليه منطقه، هو الأقوى، وهو الأنعم أيضاً، مما يجعله يتسرب في مشاعر الآخرين، مثل تلافيف الطين.
فكم نحن بحاجة إلى أكثر من ابن خلدون واحد، أو عشرة، أو مائة، لأن العالم وهو ذاهب نحو المستقبل، يحتاج إلى تلك المغامرة، المحسوبة، ودقيقة التصويب، حتى لا يُثقب القارب، ويغرق الركاب.
إقرأ المزيد


