جريدة الإتحاد - 8/6/2026 12:19:28 AM - GMT (+4 )
كانت أجمل النوافير هندسة، ودقة في البناء وزهواً في الشكل تُرى من مسافة بعيدة ومن جوانب مختلفة من مدينة أبوظبي، وهي تشع نورها ويتدفق الماء من علوها الساحر، ويتساقط منها رذاذاً وهي تطلُّ على بحر الخليج العربي والسفن العابرة وتضاهي ضوءها يشع ببدء فجر الحياة، رغم ضبابية السماء أحياناً، لا تثنيها الطقوس بل تهبها روعة وسمواً ورفعة ومدى جاذباً لمرتاديها عند المساءات الرائعة وقبيل الغروب، تتناغم بانسياب مائها مع نسمات بحرية تمسد وجوه المارة التي كثيراً ما تزدحم عند آخر الأسبوع، وكأنها متنفس أجمل وأوحد، تتماهى وتضج بالناس في مناسبات الأعياد وتبتهج لفرحهم، وتصدح من حولها أغاني رقصات شعبية وتقام حولها مهرجانات لا تُنسى.
كان لها إطلالة مختلفة ومبهرة، ولا أحد من مرتاديها ينسى ذلك البائع الآسيوي وهو يتخذ منها زاوية صغيرة بممر السيارات، ويعلن منادياً عن قرب من مرتاديها من شباب وعوائل يحضر لهم الأكلات الشعبية على نار هادئة، كان مرجان بائعاً ماهراً ومهرجاً ومقلداً حديث الناس على فطرته.
كان مرتادوها يحبون زيارة النافورة الأجمل وهي تضفي على المكان شيئاً من روح الفرح، ولا يحد الزيارة وقت، كانوا يتحلقون حولها يحيطونها بالود ويستأنسون برذاذ ماء بارد يناكف حرارة الصيف القاسية، ورطوبة تبلل العشب والورود وبساطها الأخضر وشيء من غبش الليل يبدد الرؤية، ما يحيل جموع الناس لمغادرتها تاركين أثر المتعة في نفوسهم يسكنهم، والبعض يمارسون رياضة المشي حولها وكأنها تمنحهم استمرارية في روح الحياة ويقظة السنوات الجاذبة لكل حلم يرسم الآتي من تجلي المدنيّة ومتنفس لها حاضر يلامس الطبيعة وسحرها المتدفق.
تنجلي حولها مناظر خلابة، وصوت خافت بين الأشجار تردده في الصباحات تغريدات الطيور، ضوء يمضي على ساحل الفجر، ينهض بموج البحر من سكونه يلامس صحو مدينة أبوظبي، وتجليها بفضاء لها رحب، ورياض وحدائق ابتكرت من حولها، ورائحة ريحان نقية تجعلها فاتنة للحب بعذرية الجمال وبهمسات شاردة نحو التأمل في ذاكرة المكان، يرتادها المثقف القارئ والناس العابرة حسب أهوائهم وهواياتهم لتأسر القلوب كما كانت، ومازالت لها مخابئ من بين ذكريات الأمس وخواطر حاضرة تجاري فتنة الماضي، مازالت نافورة أبوظبي القديمة بمعلمها الجميل بذاكرة المدينة والأجيال المعاصرة لها، ويؤثر الناس صورها ويتحدثون عنها كما لو مازالت علامة بارزة على مشارف البحر تستفيض حباً وتغمر المكان مكانة، وهي معلم من معالم المدينة الحديثة الراقية في تشكلها، قد تمحى أثراً إلا أنها تبقي آثاراً لها قيمة في ذاكرة الحياة تتجدد، ولها روعة في خيال الأجيال المعاصرة.
إقرأ المزيد


