جريدة الإتحاد - 8/8/2026 11:01:53 PM - GMT (+4 )
بعد تجربة طويلة في متابعة أمرين: التطرف العنيف باسم الدِّين، والعمل الإيراني على اختراق الدول العربية، خرجتُ في العام 2014 بمقولة الأهداف الثلاثة: استعادة السكينة في الدِّين، وتجديد ودعم تجربة الدولة الوطنية، والسعي الدائم لنكون ونظلّ نحن العرب جزءاً مِن أمن العالم وتقدمه.
كانت الحيرةُ الكبيرة التي شغلت جيلَنا منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي: قابلية الدِّين للاختراق بالعنف! وذلك لأنّ الدِّين قوةٌ ناعمة باعثة على الطمأنينة والسكينة وإرادة الخير وصنعه. وكان من الواضح أنّ حركات ما سُمّي بالصحوة وضعت نُصبَ عينيها استخدام الدِّين لبلوغ مطامحها في الاستيلاء على السلطة. وكان البعض منا يعزّي نفسَه بأنّ اختراق الحركات المتطرفة ضئيلٌ، ويقتصر على قلةٍ لن تُصغي لها الأكثريات المسالمة. لكن رغم قلتها، كما تبيّن في التسعينيات وما بعدها، فإنها استطاعت إحداث الفتن، واجتذاب فئات من الجمهور ليست كلّها من الفقراء والمحتاجين. وقد يكون تعليل ذلك بقلة الثقافة الدينية والاجتماعية. لكنّ الأمر طال وأفضى إلى إطلاق موجة من الإرهاب صارت عالميةً. وتحت هذه الموجة استترت الاختراقات الإيرانية، واستخدمت في استهدافها لأمن المتجمعات والدول ليس المذهبية فقط، بل وبعض المتطرفين الذين عملوا تحت رايتهم بالتمذهب أو دعاوى التحرير أو العداء للأنظمة والدول.
لقد تأخرت بعض الدول في واجهة موجات التطرف والاستغلال والابتزاز. لكنها في النهاية حزمت أمرَها وتعاملت مع ما يحدث باعتباره استهدافاً سياسياً واستراتيجياً. لكنّ الاختراق والانقسام الديني استمرّ، وكافحته المؤسساتُ الدينيةُ بمساعدة الدول إلى أن تراجعت موجاتُه دون أن تخمد!
بيد أنّ الحروب التي اشتعلت منذ العام 2023 أعادت إشعالَ الجذوة التي لم تخمد بحجة مكافحة العدوان والذهاب إلى الشهادة. لكننا نعرف منذ عشرات السنين أنّ نضالات الميليشيات لا تجلب غير الخسائر، وما جلبته في السنوات الثلاث الأخيرة لم نشهد مثلَه في تاريخنا الحديث. إنما أفظع ما فيه صيرورةُ الدِّين لعبةً يستطيع القيام بها مَن يُحسن اللعبَ بالعواطف والنفوس، عبر أوهام الثأر والانتصار للمستضعفين الذين كانوا هم الذين تحمّلوا أفدحَ الخسائر لصالح الذين استخدموهم من الإيرانيين وجماعات الإسلام السياسي.
إنّ التحدي كان وما يزال كيفيةَ استعادة العصمة والمناعة للدًّين بحيث لا يمكن استذلالُهُ ولا استغلالُه. الدول الوطنية تمضي للدفاع عن نفسها ومجتمعاتها في مواجهة الهجمات والاستهدافات. أما الدِّين فهو مسؤولية المجتمعات التي تعتنق أمانه وسلامه، والعلماء الذين لا يغرُّهم الاستنفار ولا الاستقطاب، وأهل الثقافة والإعلام الذين يؤثّرون في الجمهور. وكل هذه الجهات والفئات لا تريد استغلال الدِّين في العنف الذي يقسّم ويشرذم ويقوّض الوئامَ.
ولعل رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي أيام بوش، كان صادقاً في نصحه للمسلمين حين قال: لقد اختطف المتطرفون دينكم، وعليكم تحريره من عصابات الإرهاب!
الفتنة تُحْدثها القلةُ وتعاني منها الكثرة. وهذه هي حالتنا اليوم. فواجبنا حماية ديننا من الاستغلال، ودولنا من الاستهداف، ومجتمعاتنا من الاستهواء.
أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية
إقرأ المزيد


