«بريكس»: طموحات وتحديات
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تستضيف الهند في سبتمبر المقبل القمة الـ16 لمجموعة «بريكس» في مرحلة حاسمة، تتعرض فيها جهود التعددية لضغوط متزايدة، فيما أدّى الصراع في غرب آسيا إلى تعميق المخاوف بشأن التجارة العالمية وتأثير البيئة الدولية غير المستقرة على الاقتصادات الناشئة. وكانت البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا قد أسّست مجموعة «بريكس»، التي أصبحت واحدةً من أهم التكتلات الاقتصادية في العالم. وتُمثل المجموعة أكثر من ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و42% من سكان العالم. ومن اللافت أن النفوذ الاقتصادي لأعضاء «بريكس» شهد زيادة كبيرة خلال العقود الماضية، باعتبارهم محرّكات للنمو والتجارة والاستثمار العالميين.
وتتسارع حالياً وتيرة الاستعدادات لقمة «بريكس» في الهند. وقبل انعقاد القمة، اجتمع مستشارو الأمن القومي للدول الأعضاء في المجموعة لوضع أجندة الأمن القومي. وقد استضاف مستشار الأمن القومي الهندي، أجيت دوفال، نظراءه من المجموعة. وإلى جانب وفود الدول الأعضاء المؤسِّسة، شاركت وفود من مصر والإمارات وإندونيسيا وإثيوبيا وإيران في المراجعة بصفتها أعضاء في مجموعة «بريكس». وفي الوقت الراهن، يُمثل الوضع في غرب آسيا أكبر تهديد أمني لاقتصادات المجموعة. وبما أن «بريكس» تتألف من اقتصادات ناشئة، فإن أي اضطراب في تدفقات التجارة العالمية سيؤثّر سلباً على النمو الاقتصادي. وقد ناقش مسؤولو الأمن المشاركون التعاونَ في إطار منصّة بريكس بين الدول الأعضاء، بجانب قضايا ذات أهمية ثنائية، وذلك على هامش الاجتماع.
ولم تكن مجموعة «بريكس» نشطة منذ بداية الحرب الإيرانية والأزمة الناجمة عنها، إذ لم تقم بأي دور للوساطة، رغم عضوية إيران فيها. وبينما يُعد التنوع أكبر ميزة للمجموعة، فإنه قد يتحول إلى نقطة ضعف، إذ لكل دولة أجندتها ومصالحها الوطنية. ومن بين العوامل التي تُعيق «بريكس» ضعف العلاقات الثنائية بين بعض دولها الأعضاء، وبصفة خاصة بين الهند والصين.
إلا أن هناك بعض الجوانب الإيجابية، إذ تتيح المجموعة للدول، ليس فقط طرح أجندة متعددة الأطراف، وإنما أيضاً عقد اجتماعات ثنائية لتعزيز العلاقات ومناقشة القضايا الإقليمية والثنائية. والتقى أجيت دوفال ووزير الخارجية الصيني وانغ يي على هامش اجتماع «بريكس». وأُعلن بعد الاجتماع أن الجانبين «استعرضا التطورات الأخيرة في العلاقات الثنائية، ولاحظا إحرازَ تقدم نحو التطبيع التدريجي». كما أكد الجانبان أن «العلاقات الثنائية المستقرة والبناءة تسهم في بناء الثقة وتحسين التفاهم بين الجانبين». وتسعى الهند والصين إلى تحقيق الاستقرار في علاقاتهما في ظل مناخ جيوسياسي يسوده عدمُ اليقين. وتتيح القمةُ للبلدين فرصةً لمناقشة القضايا متعددة الأطراف وتمثيل مصالح الدول النامية، مع مواصلة اتخاذ خطوات تدريجية نحو تحقيق استقرار العلاقات بينهما.
ومع ذلك، تتحرك «بريكس» داخل أجواء مناخ دولي بالغ الصعوبة. فقد انتقد الرئيسُ الأميركي دونالد ترامب المجموعةَ مراراً بسبب قضية تقليص الاعتماد على الدولار، والتي كانت مطروحة للنقاش داخل المجموعة. وترى الولايات المتحدة أن هذا التوجه يمثّل محاولةً لتحدي هيمنة واشنطن. وهدّد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على دول «بريكس». وفي عام 2025، أعربت المجموعة، من دون أن تسمي الولايات المتحدة صراحةً، عن «مخاوف جدية إزاء تصاعد التدابير الأحادية الجانب المتعلقة بالتعريفات الجمركية وغير الجمركية»، وجدّدت التزامَها بتعزيز التعددية.
ومنذ البداية، تمحورت أجندة «بريكس» حول تقاسم ثمار النمو والتنمية بين الدول الأعضاء. كما هدفت إلى دعم الدول النامية في مناطقها. وناقشت المجموعة قضايا عالمية ملحّة، مثل تغيُّر المناخ والديون والصحة والإرهاب وغيرها، ووضعت استراتيجياتٍ لتعزيز عالَم متعدد الأقطاب من خلال إجراءات عملية. وقد اتفقت أول قمة لـ«بريكس»، عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008، على السعي إلى إصلاح نظام الحوكمة العالمية، ولا سيما المؤسسات المالية. وشهد مسارُ نمو المجموعة توسعاً مطّرداً في نطاق التعاون، وعمق التفاعل، والنفوذ في الشؤون الإقليمية والعالمية. كما سعت المجموعة إلى إصلاح صندوق النقد الدولي.
وتؤدّي «بريكس» دوراً هاماً في ظل تعرُّض المؤسسات متعددة الأطراف للتهديد. ويمكن للقمة المقبلة في نيودلهي أن توفر فرصةً لتعزيز هذه المؤسسات بالتعاون مع دول أخرى. ومن شأن ذلك أن يسهم بدرجة كبيرة في تشكيل التعاون بشأن القضايا الاقتصادية والسياسية والعالمية، كما سيتيح إجراء مناقشات حول التجارة والاستثمار بين الدول الأعضاء. غير أن التحدي الأكبر أمام المجموعة يتمثل في وضع أيِّ خلافاتٍ ثنائيةٍ جانباً، قبل أن تمنع الولايات المتحدة المجموعة من مواصلة التوسع، من خلال التهديد بفرض رسوم جمركية وتدابير أخرى.

*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي



إقرأ المزيد