جريدة الإتحاد - 8/11/2026 11:16:12 PM - GMT (+4 )
بدأت الميلشيات تتشكّل بالعراق بعد سقوط النظام السابق (2003)، ومنها مَن تشكّل قبل ذلك داخل إيران كفصائل معارضة، شاركت مع الجيش الإيراني في الحرب العراقيَّة الإيرانيَّة، فعادت إلى العراق بسلاحها، ومنها مَن دخل في تشكيل الجيش العراقيّ الجديد، بما عرف بعملية «الدمج» مع الحفاظ على وجودها مستقلاً كأذرع للأحزاب، وقد تكاثرت الميلشيات ليتشكّل منها «الحشد الشَّعبيّ» بالإعلان عنه (2014).
كلّ تلك الفترة، كانت تلك القوى تنكر أن تأسيسها كان إيرانيّاً، وإيران من جانبها لا تعترف بذلك، وما يعترف به هو الدعم العقائدي على أساس أنها قوى ممانعة مستقلة لا صلة لها بإيران، وما الصور والأعلام الإيرانية المرفوعة من قبل الميلشيات، إلا تعبير عن التقليد الديني للمرجعية الإيرانية، وأن الأهداف تلتقي ضد قوى «الاستكبار»، إسرائيل وأميركا.
لكن عندما جد الجد لإلغاء الميلشيات، ولا سلاح خارج القوات المسلحة العراقيَّة، وحدد وقت لذلك، وهو نهاية سبتمبر من هذا العام، ذهب وفد عراقي إلى إيران للتفاوض، وبذلك انتهى الإنكار الذي استمر عقوداً، والقصد الإنكار الرسمي، الذي أصرّت عليه إيران والميلشيات أيضاً.
والسؤال هل ستوافق إيران على حل الميلشيات التي ارتبطت بها؟ وبهذا ستفقد قوتها داخل العراق، وهي لم تحصل على تأييد شعبي عراقي، وخصوصاً مع تردي الأحوال العامة في الدولة العراقية وتعاظم الفساد، في يوم كانت إيران لها الكلمة الفصل في تشكيل الحكومات العراقيَّة، وحتى ما يتعلق بالشأن العسكري، بعد أن قدمت نفسها حامية للعراقيين من تنظيمات «القاعدة» و«داعش»، بينما ظهرت تقارير تشير إلى تورطها في وجود هذه التنظيمات، ودخولها من سوريا، خلال السنوات الأولى بعد (2003).
بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران، اختلف الخطاب، ولم يعُد لإيران الكلمة الفصل في الشأن العراقي، ولم يعُد المستشار يونسي يصرح «أمام منتدى الهوية الإيرانية»: «إيران اليوم أصبحت إمبراطورية، كما كانت عبر التَّاريخ، وعاصمتها بغداد حالياً، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا، اليوم كما في الماضي»، قالها وكأنه سمع بقول أحد الأكاسرة عن بغداد: «هِلدوه وروز أي خلوها بسلام» (الحموي، معجم البلدان)، وعلى هذا يريدها يونسي عاصمةً شتوية مثلما كانت المدائن. غير أن «كلُّ كلام على غير أصل هذيان لا تحقيق له» (إخوان الصفا).
لكن في حال الإصرار على عدم تسليم سلاح الميلشيات لسلاحها، وحلّ نفسها ضمن ما قررته الحكومة العراقية، فلا بد من المواجهة، وفيها سيكون الحياد من قبل إيران، في حالة تخليها أمام الوفد العراقي عن الميلشيات، لكنه سيكون الحياد في العلن، فهناك ألف طريقة للدعم، فالأرض مفتوحة والرابطة العقائدية المذهبية ستلعب دورها، حتى يمكن القول: السهل على إيران التخلي عن ميلشياتها، وأذرعها المسلحة، في أي بلد خلا العراق، وإذا تخلّت بالفعل فستكون بمقابل ما يعوضها عن الخسارة الفادحة. فمنذ الثورة الإيرانيَّة (1979) والعراق كان الهدف الأول في تصديرها، وبعد سقوط النظام العراقي السابق، عملت إيران الثورة على تحقيق الهدف من الداخل العراقي، عن طريق تنظيمات وميلشيات.
على أي حال، ربَّما إيران ستوافق على ما يحمله الوفد العراقي من مطلب حلّ الميلشيات، لكنها لا تتخلى بهذه السهولة. فلكم تصور أن الميلشيات عراقيَّة والحلّ إيراني، فأغلب الكيانات السياسية «الإسلامية» مرتبطة بها بعقد سياسي عقائدي متين، فتفاوض الوفد العراقي لا يجري بشأن الجماعات المسلحة فقط، إنما بشأن ظهيرها المتمكن في القرار السياسي العراقي.
*كاتب عراقي
إقرأ المزيد


