حرب إيران ونهج ترامب
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تستمر الحرب ضد إيران دون نهاية تلوح في الأفق، بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على اندلاعها. وهناك أسباب كثيرة وراء هذه الأزمة، لكن جانباً مهماً من تفسيرها يعود إلى النهج المتأرجح بين التهدئة والمواجهة، حيث نلاحظ تناوباً متكرراً بين الإشادة بالقادة الإيرانيين بوصفهم «أشخاصاً عقلانيين للغاية»، وبين مهاجمتهم بحدة في أوقات أخرى وصمهم بأقسى الأوصاف.
ومنذ بدء الحرب، تعهد الرئيس ترامب سبع مرات على الأقل بشن هجمات مدمرة، قبل أن يعلن في كل مرة أنه سيمنح المحادثات فرصةً أخرى. وفي الأول من أغسطس الجاري، كتب على وسائل التواصل الاجتماعي أن الولايات المتحدة «في حالة تأهب واستعداد كاملين، ومستعدة للتحرك ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية» بقوة عسكرية لم يشهد العالمُ مثيلاً لها منذ الحرب العالمية الثانية، لكنه قال إنه سيؤجل أي هجوم لأن «معالم اتفاق قد تم الاتفاق عليها».
ويبدو أن ذلك كان يشير إلى اتفاق مبدئي بين إيران وعُمان لإعادة فتح مضيق هرمز، بحيث تمر السفن عبر المياه الإقليمية الإيرانية، والمغادرة عبر المياه العُمانية. لكن مسؤولًا إيرانياً كبيراً طالب، مقابل إعادة فتح المضيق، بأن ترفع الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية عن إيران، وتفرج عن أصولها المجمدة، وتنهي الحصارَ المفروض على الملاحة الإيرانية. وحتى إذا وافقت واشنطن، فلن يحل ذلك الخلافَ الأساسي بشأن سيطرة إيران على المضيق وفرض رسوم عبور عليه، كما أنه لا يعالج البرنامج النووي الإيراني، وهو المبرر المعلن للحرب.
وقد انهارت مذكرة التفاهم السابقة بين واشنطن وطهران بسبب تلك المسألة تحديداً، إذ رأت إيران أن الاتفاق يُلزم السفن بالمرور عبر نقاط التفتيش التابعة لها، بينما اعتبرت الولايات المتحدة أن بإمكان السفن المرور عبر المياه العُمانية. وهاجمت إيرانُ سفناً سلكت الطريق العُماني، ما أدى إلى تجدد الصراع، الذي تضمن هجوماً إيرانياً على قاعدة أميركية في المنطقة، وردت عليه أميركا بقصف إيران.
وتتمثّل المشكلة الأساسية في انقسام القيادتين الإيرانية والأميركية وعدم وضوح أهدافهما. ففي إيران، يريد المتشددون في الحرس الثوري مواصلةَ القتال، بينما يرى القادةُ الأكثر براغماتيةً ضرورةَ إنهاء الحصار والعقوبات الأميركية للسماح للاقتصاد بالتعافي. وكان المرشد الأعلى يحسم عادة مثل هذه الخلافات، لكن إسرائيل قتلت المرشد السابق، ويبدو أن نجله وخليفته، آية الله مجتبى خامنئي، مختبئ ويصعب الوصول إليه.
 أما في الولايات المتحدة، فيملك ترامب سلطة مطلقة على السياسة الخارجية، لكنه يتأرجح بين إبرام الصفقات وخوض الحرب، بما يمكن أن يقوض فرصَ نجاحه في أي منهما. ففي 22 يوليو، تعهد بقصف وتدمير «جسر أو محطة كهرباء» مقابل كل سفينة شحن تهاجمها إيران في مضيق هرمز، لكن ثلاث سفن على الأقل تعرضت لهجمات منذ ذلك الحين من دون رد أميركي.
ويقول الإيرانيون إنهم لا يثقون بقدرة ترامب على إبرام اتفاق، ويرون أنه يتراجع عن مواقفه باستمرار. وفي كل مرة يميل فيها نحو اتفاق مع إيران، يتراجع تحت ضغط انتقادات المتشددين «الجمهوريين».
وفي الحرب مع إيران، يبدو أنه على ترامب اختيار نهج واحد والالتزام به، إما المواجهة أو النهج التصالحي المستند إلى مذكرة التفاهم السابقة، والذي يعد الخيار الأفضل حالياً، رغم صعوبة التوصل إلى اتفاق مع القيادة الإيرانية المنقسمة. لكن ترامب يفتقر إلى الدعم السياسي لتصعيد الحرب ولتحمل تداعيات إغلاق المضيق لفترة طويلة، ولا يؤيد طريقة تعامله مع الحرب سوى 28% من الأميركيين. أما النهج الآخر فيتمثل في فرض حصار على الملاحة الإيرانية إلى أجل غير مسمى، أملاً في أن تدفع الأزمةُ الاقتصاديةُ المتفاقمةُ قادةَ إيران إلى تقديم تنازلات. وقد يكون ذلك أكثر فاعلية من تكثيف القصف، لكنه سيتطلب إقناع الأميركيين، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، بتحمل ارتفاع أسعار النفط والتضخم.
أما النهج الوحيد غير المجدي فهو التأرجح بين الحرب والسلام، والتهديدات والمفاوضات، والخطاب الصاخب والمبادرات الودية. وإن اعتقد البعض أن هذا هو «فن إبرام الصفقات»، فهو في الواقع وصفةٌ لصراع لا ينتهي.


*زميل بارز في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد