جريدة الإتحاد - 8/11/2026 11:16:26 PM - GMT (+4 )
ليس مضيق هرمز مجرّد ممرٍّ بحريٍّ يفصل بين الخليج العربي وخليج عُمان، بل هو أحد أهم المفاتيح الجيوسياسية التي تتحكّم في أمن الطاقة والتجارة الدولية. ولذا فقد ظلّ هذا المضيق حاضراً في الحسابات الإيرانية بوصفه ورقةً استراتيجية يمكن التلويح بها للضغط والمساومة، دون أن يعني ذلك بالضرورة رغبة طهران في إغلاقه فعلياً أو تعطيل الملاحة فيه بصورة دائمة.
وكلما اشتدت الضغوطُ على إيران، بفعل العقوبات أو المواجهة العسكرية أو تعثُّر المفاوضات، ارتفعت حدّة خطابها تجاه المضيق. وعندما تنفتح نافذةٌ للتفاوض، تتحول التهديداتُ إلى ورقة مساومة سياسية. وتعكس هذه الازدواجيةُ طبيعةَ السياسة الإيرانية التي تحاول الجمعَ بين التصعيد والتفاوض، وبين استخدام القوة والإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحةً، في إطار سياسة المساومة والابتزاز.
وتأتي أهميةُ مضيق هرمز من موقعه الاستثنائي، إذ تمرُّ عبره كمياتٌ ضخمة من النفط والغاز الطبيعي، فيما تظل البدائل المتاحة لتجاوز المضيق محدودة، قياساً إلى حجم التدفقات. ومن هنا تنظر طهران إلى المضيق باعتباره أداةَ ضغط سياسية واستراتيجية، كلما أرادت إيصالَ رسائلها إلى الولايات المتحدة والدول الإقليمية والأسواق العالمية، فضلاً عن الداخل الإيراني نفسه!
لكن المفارقة أن سلاح هرمز قد يتحول إلى سلاح ذي حدّين، فتعطيل الملاحة لا يضغط على الاقتصاد العالمي وحده، بل يطال الاقتصاد الإيراني أيضاً، فهو اقتصاد يعتمد بدرجة أساسية على صادرات الطاقة واستمرار حركة التجارة. كما أن الإفراط في استخدام المضيق كورقة سياسية قد يدفع الدولَ المصدِّرةَ والدولَ المستوردة للطاقة، وكذلك القوى الاقتصادية الكبرى، إلى تسريع البحث عن بدائل تُقلل من الوزن الاستراتيجي للممر.
وقد كشفت التطورات الأخيرة أن طهران باتت تربط إعادةَ فتح المضيق بشروط سياسية وأمنية واقتصادية، بما في ذلك رفع العقوبات وتقديم ضمانات وتعويضات وإنهاء التهديدات العسكرية. وهكذا انتقل هرمز من كونه قضية ملاحة دولية إلى ورقة تفاوضية في قلب الصراع الإقليمي والدولي، الأمرُ الذي يزيد مِن تعقيدات الأزمة ويعزّز في الوقت نفسه الحاجةَ إلى بدائل استراتيجية.
وهنا تبرز مسؤوليةُ دول مجلس التعاون الخليجي في الانتقال من سياسة إدارة المخاطر إلى بناء القدرة على الصمود والردع. فتنويع طرق تصدير الطاقة، وتطوير الموانئ، وزيادة قدرات التخزين، وربط شبكات النقل والطاقة، وتعزيز الأمن البحري الجماعي.. كلها أدوات تحوِّل الجغرافيا من مصدر للتهديد إلى مصدر للمرونة الاستراتيجية.
وتبرز في هذا السياق أهميةُ المواقع والمنافذ الخليجية الواقعة خارج نطاق المضيق، وفي مقدمتها ميناء الفجيرة، الذي يمثّل نموذجاً إماراتياً مهماً في تخزين وتصدير الطاقة. كما يوفر خط أنابيب النفط الإماراتي الممتد إلى الفجيرة هامشاً استراتيجياً لتقليل الاعتماد على هرمز في حالات الطوارئ، وإن كانت هذه البدائل لا تعوّض كاملَ التدفقات التي تمر عبره.
وفي العلاقات الأميركية الإيرانية، تبدو المعادلةُ أكثر تعقيداً من مجرّد مواجهة مفتوحة، إذ لكل من واشنطن وطهران حساباتُهما الاستراتيجية، وقد ظلت قنواتُ التفاوض قائمةً رغم الصراع والتوتر. وهذا يفسر استمرار احتمالات التفاهم، ولو بصورة محدودة، حول ملفات إقليمية وأمنية مختلفة.
كما لا يمكن إغفال إدانة دولة الإمارات للهجوم الإيراني الذي استهدف ناقلة تابعة لشركة «أدنوك» أثناء عبورها مضيق هرمز، باعتباره تصعيداً خطيراً وتهديداً مباشراً لأمن الملاحة والتجارة البحرية الدولية.
وربما تكون المفارقةُ الكبرى أنه كلما بالغت إيرانُ في استخدام مضيق هرمز كسلاح سياسي، زادت حوافزُ العالَم لبناء البدائل وتقليل الاعتماد على المضيق. فمستقبل هرمز لن تحدّده إيرانُ وحدها، بل ستحدّده أيضاً قدرةُ دول المنطقة والمجتمع الدولي على ضمان حرية الملاحة البحرية، وتعدُّد مسارات الطاقة، ومنع تحويل الجغرافيا إلى أداة للابتزاز السياسي.
*سفير سابق
إقرأ المزيد


