جريدة الإتحاد - 8/11/2026 11:36:29 PM - GMT (+4 )
خلال زيارتي مع أسرتي لإحدى المدن العريقة، جلسنا في مقهى يطل على ساحة فسيحة تعج بالناس والحركة. كنت أتأمل المباني التاريخية، وأستذكر الحضارة التي قامت عليها هذه المدينة، تلك الحضارة التي يرى كثيرون أنها تمثل النموذج الأكثر تقدماً في العالم. وأثناء جلوسنا، استرعت انتباهنا نادلةٌ كانت تعمل بنشاط، وتتعامل مع الزبائن بابتسامة لا تفارق محياها.
كانت تنتقل من طاولة إلى أخرى وكأنها تسابق الزمن. وبسبب ترددنا على هذا المقهى دار حوار بيننا، ومن خلال حديثنا تبين أنها تعمل لساعات طويلة تمتد أحياناً إلى اثنتي عشرة ساعة يومياً، من دون عطلات أسبوعية، مقابل أجر بالكاد يغطي الحاجات الأساسية. لا رفاهية، ولا مساحة حقيقية للراحة، فقط الحد الأدنى للبقاء. هذا الحديث العابر دفعني للتساؤل: كيف يمكن لمدينة تبدو بهذا الجمال، ولدولة تُعَدُّ من أكثر دول العالم تقدماً، أن تجعل الإنسان يعيش هذا القدر من الضغط اليومي؟ وهل يكفي أن تُرفع شعارات حقوق المرأة حتى نقول إن المرأة تعيش حياة كريمة؟ هذا السؤال لا يتعلق بمدينة أو دولة بعينها، بل بفلسفة كاملة تتبناها بعض المجتمعات، وتعتقد أنها النموذج الأمثل الذي ينبغي أن يُعمم على بقية الدول.
وانتقلت الصورة سريعاً في ذهني إلى وطني الحبيب وما يُقدمه للمرأة، حيث المنظور هنا مختلف ولا يستنسخ تجارب الآخرين، وإنما من فهم عميق لخصوصية المجتمع واحتياجات أفراده، فمنذ عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كان تمكين المرأة جزءاً من مشروع بناء الإنسان، وليس مجرد استجابة لموجة عالمية أو شعار إعلامي. ولذلك، لم يكن تمكين المرأة في الإمارات يعني فقط دخولها سوق العمل، بل تهيئة منظومة متكاملة تساعدها على النجاح دون أن تضطر إلى التضحية بأسرتها أو استقرارها. فجاءت التشريعات الداعمة، وسياسات العمل المرن، والعمل عن بُعد، وإجازات الأمومة، والمبادرات التي تعزز التوازن بين الحياة المهنية والأسرية، لتجعل نجاح المرأة المهني امتداداً لدورها الأسري، لا خصماً له.
وأكملت المسيرة رفيقة درب الشيخ زايد، رحمه الله، سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، حيث كان لها الدور الأساسي في نجاح المرأة الإماراتية، وتجاوزت المبادرات حدود الدولة، حيث أطلقت حفيدتها سمو الشيخة فاطمة بنت محمد بن زايد مبادرة إنسانية تنموية تهدف إلى تمكين المجتمعات الأقل حظاً، والنساء في المناطق المتأثرة بالنزاعات. هذا هو التمكين الحقيقي للمرأة، ولكن هذا الفهم لا يبدو واحداً في كل مكان! فخلال مشاركتي في إحدى الندوات الأكاديمية في الغرب، دار نقاش حول صورة المرأة في الشرق الأوسط. وبينما كان الحديث يدور حول الحرية والحقوق، تذكرت ما شاهدته قبل يوم فقط، حيث يظهر إعلاناً على حافلة عامة امرأة بصورة تخدش الحياء، اضطررت معه إلى إشغال أطفالي حتى لا تقع أعينهم عليه. هنا ظهر السؤال الجوهري: هل كل ما يُقدَّم تحت عنوان الحرية هو فعلاً حرية؟ أم أن بعض الصور الحديثة تخفي أشكالاً جديدة من الاستغلال؟
مكانة المرأة في الإمارات تبدأ داخل الأسرة، فالأم تحظى بمكانة رفيعة، والأخت محل احترام، والزوجة شريكة في بناء الأسرة، وهي قيم تتجدد باستمرار في خطابنا الديني والاجتماعي، ومن ضمنها خطب الجمعة، تأكيداً على أهمية بر الوالدة والإحسان إليها، والحرص على خدمة أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا باعتبار ذلك قيمة أخلاقية راسخة، فالمرأة شريكة ومعينة ورفيقة درب، فالرسول ﷺ خرج يوم الحديبية إلى صحابته دون أن يكلم أحداً، بل نحر هديه وحلق رأسه بنفسه، أخذاً بمشورة حبيبته، أم المؤمنين أم سلمة.
لقد أعادت إلى ذهني صورة تلك النادلة التي التقيناها في بداية الرحلة بعد مشاهدتي إعلان «أم الإمارات» سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك شعار «بنظهر الأقوى والأفضل» ليوم المرأة الإماراتية 2026، وتخصيصه ليُحتفى به على مدى شهر كامل، بدلاً من يوم واحد، فتلك النادلة لم يكن ينقصها الاجتهاد، ولا الطموح، لكنها كانت تفتقد شيئاً آخر لا يقل أهمية، ألا وهو التوازن الاجتماعي ومراعاة خصوصية كل فرد في المجتمع.
*باحث إماراتي
إقرأ المزيد


