ما بعد النقطة الأخيرة!
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

كتبت الأسبوع الماضي فكرة ظلت تلح عليّ بعد قراءتي رواية «غرفة إسماعيل كافكا» للروائية شيما سعيد؛ حول الموقف الذي عاشه بطل الرواية مع زوجته، وما تركه صمته من أثر في علاقتهما. كان الموقف عابراً، غير أنه كان كافياً لأن يجعلني أستدعي حالة ظلت تتسع في ذهني حتى تحولت إلى نص نشرته تحت عنوان «أُستاذ الصمت».
جاءتني ردود من القراء، بعضها كان في جماله وعمق طرحه يتجاوز النص الذي كتبته، بعد أن أضافوا إليه من تجاربهم وتأملاتهم. وهذا ما ذكرني بمفهوم «أدب المعجبين» (Fan Fiction)، الذي يذهب فيه متابعو أي عمل أدبي أو فني أحبوه لأبعد مما توقف عنده صاحبه، رافضين أن تكون النقطة الأخيرة أخيرة؛ فيعيدون تخيل مسارات أخرى له، ويذهبون بالنص إلى مناطق مختلفة.
يقدم المعجبون للأعمال التي رفضوا انتهاءها عند النقطة التي أرادها لها صانعها الأصلي قوالب أدبية متنوعة. يحدث هذا في القصيدة والمقال والمسرح والرواية، وهذه الأخيرة هي الأكثر شهرة. وأذكر هنا على سبيل المثال رواية «كوزيت» للروائي الفرنسي فرانسوا سيريزا، والتي لاقت نجاحاً كبيراً منذ صدورها عام 2001، وبقيت في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في فرنسا لفترة طويلة، كما تُرجمت إلى عدة لغات. وكوزيت شخصية معروفة في رواية «البؤساء» لفيكتور هيغو الصادرة عام 1862، غير أن فرانسوا ذهب بالشخصية إلى حياة أخرى غير متوقعة، بعد أن شهدنا زواجها كتتويج سعيد للحياة المؤلمة التي عاشتها منذ طفولتها في رواية هيغو!
بين الروايتين ما يقارب قرناً وأربعة عقود؛ ظلت «كوزيت» حية في قلوب معجبي الرواية، حتى جاء فرانسوا وأعاد بثها، ليكتب جزءاً من تاريخ فرنسا عبر شخصيتها. وللأسف لم أعرف في أدبنا العربي شيئاً من هذا القبيل؛ فما يحدث هو أننا نقرأ العمل ونناقشه، نختلف حول شخصياته ونهايته، ثم نتركه في المكان الذي وضعه فيه صاحبه!
تخيلوا مثلاً، لو أن القراء والكتاب أخذوا بعض الشخصيات العربية المؤثرة بعد نهاية الروايات التي ظهرت فيها، وسألوا: ماذا لو لم تكن هذه النهاية فعلاً؟ ماذا لو امتدت حياة الشخصيات إلى ما بعد الصفحة الأخيرة؟ كشخصية «حسنة بنت محمود» زوجة مصطفى في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح. ماذا لو أنها لم تنتحر وتم إنقاذها لتبدأ فصلاً آخر من حياة امرأة رفضت الخنوع لتقاليد العائلة؟! لديّ يقين عميق أن ذلك يعد بذرة غنية وقوية لنص آخر. وما حدث معي بعد نشر ذلك المقال كان في صورته البسيطة، تجربة مصغرة لهذا المعنى؛ فكرة عابرة في رواية استثارتني، فكتبتُ عنها، ثم استثار النص قُرّاءه.. فكتبوا هم أيضاً.



إقرأ المزيد