الشرق الأوسط ومعركة استعادة الدولة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

غيّرت الحرب الأميركية- الإيرانية كثيراً من المعادلات التي حكمت المنطقة لسنوات، وأضعفت قدرة طهران على إدارة نفوذها الإقليمي بالصورة التي اعتادتها. ومع استمرار الحرب، بدأت تظهر ملامح بيئة مختلفة في الشرق الأوسط، يتراجع فيها نفوذ جماعات ومشروعات عملت طويلاً خارج إطار الدولة الوطنية. لكن الحروب تستطيع إضعاف التنظيمات أسرع مما تستطيع إنهاء الأفكار والشبكات التي أنتجتها.
وتتضح صعوبة إنهاء تلك الأفكار في الحالة الإيرانية. فمنذ قيام الثورة، عمل النظام على هندسة الوعي من خلال سرديات المظلومية والمقاومة وتصدير الثورة، واستخدم الصراع مع إسرائيل وقضايا المنطقة لتبرير التدخل في شؤون الدول، وترسيخ خطاب يمنح مشروعه قبولاً لدى جماعات وشرائح في عدد من الدول العربية. ووفّر ذلك غطاءً فكرياً وسياسياً لجماعات ارتبطت بطهران ووضعت ارتباطها الأيديولوجي فوق مفهوم الدولة، وكرّس مفاهيم وولاءات يصعب تفكيكها بمجرد إضعاف القدرات العسكرية.
وقد تتغير طريقة عمل الأذرُع الإيرانية مع تراجع قدرة طهران على التمويل والدعم، ما قد يدفع بعض الفصائل إلى الاعتماد بصورة أكبر على الموارد المحلية وشركات الواجهة والتهريب والاقتصاد غير المشروع. وقد تصبح الجماعات المسلحة أكثر ارتباطاً بمصالحها داخل دولها، وأقل اعتماداً على إدارة مركزية من النظام الإيراني. ضعف المركز، في مثل تلك الحالات، لا يعني بالضرورة انتهاء الشبكة.
ومع سقوط نظام الأسد، الذي قطع حلقة أساسية كانت تصل طهران بلبنان، وفقد «حزب الله» جانباً كبيراً من قدرته، ازدادت أهمية العراق في الحسابات الإيرانية، بينما تواجه بغداد تحدِّي حصر السلاح واستعادة القرار. فالقضية تتجاوز عدد الميليشيات وأسلحتها إلى نفوذ سياسي واقتصادي متداخل مع بنية الحكم. وتواجه حكومة علي الزيدي مهمة إخضاع قرار الحرب والسِّلم لسلطة الدولة، وبناء علاقات عربية وإقليمية تقوم على المصلحة الوطنية.
وفي لبنان أتاح تراجع «حزب الله» مساحة أوسع أمام الدولة لاستعادة قرارها، بينما يحتفظ «الحوثيون» في اليمن بقدرات عسكرية وشبكات تمويل وتهريب تسمح لهم بتهديد أمن الملاحة والتجارة العالمية. والابتزاز الإيراني في مضيق هرمز، والتهديد الحوثي في باب المندب، يؤكدان أن أمن الممرات البحرية يرتبط بما يجري داخل الدول المطلّة عليها. وكلما ضعفت الدولة، اتسعت قدرة التنظيمات المسلحة على تحويل الجغرافيا إلى أداة ضغط إقليمي.
وكشفت الحرب أيضاً خطراً يعمل بعيداً عن الجبهات. تفكيك شبكات مرتبطة بإيران في دول خليجية أظهر تعدُّدَ أدوات المواجهة بين التجسّس والتمويل والواجهات التجارية والتحضير للتخريب. لذلك تبقى يقظة الأجهزة الأمنية والرقابة المالية والتنسيق الخليجي جزءاً من مرحلة ما بعد الحرب، لأن انتهاء العمليات العسكرية لا يُلغي الشبكات التي أُنشئت للعمل داخل المجتمعات والاقتصادات.
وتبقى الأزمة الفكرية حاضرة إلى جانب الشبكات الأمنية والمالية. فتجربة تنظيم «الإخوان»، تؤكد خطورة المشروع الذي يضع التنظيم والأيديولوجيا فوق الدولة الوطنية، فيما أظهرت العلاقة التاريخية بين تيارات الإسلام السياسي وإيران أن الاختلاف المذهبي لم يمنع الالتقاء حول تصورات عابرة للحدود. ويستفيد «داعش» و«القاعدة» من ضعف المؤسّسات والفراغات الاجتماعية والسياسية، مع توظيف تقنيات ووسائل تمويل جديدة لإعادة بناء حضورهما.
اتبعت الإمارات مبكراً نهجاً يقوم على حماية الدولة والمجتمع من الإسلام السياسي والتطرف، وجمعت بين الأمن الاستباقي والتعليم والتنمية وترسيخ قيم التسامح والتعايش وسيادة القانون. وخلال الحرب حافظت على أولوياتها الوطنية، ولم تسمح لحملات التضليل بأن تُحدِّد أجندتها. فالوقاية على المدى البعيد تبدأ ببناء الإنسان ومجتمع أكثر مناعة أمام خطاب الكراهية والأفكار المتشددة.
واستعادة سلطة الدولة في البلدان التي تمدّدت فيها الميليشيات والتنظيمات جزء أساسي من أي ترتيب إقليمي مُقبل. إضعاف إيران وأذرُعِها وتراجع «الإخوان» والتنظيمات المتطرفة مكاسب مهمة، لكن تثبيتها يحتاج إلى معالجة البيئة السياسية والفكرية والمالية التي تسمح بعودتها. ومن أهم الدروس أن أمن المنطقة يرتبط بامتلاك دولها قرارها الوطني، وترسيخ سلطة الدولة، وحماية المجتمعات من محاولات توظيف الدِّين والقضايا السياسية لخدمة أجندات خارجية.


*كاتب إماراتي



إقرأ المزيد